موسكو تتحدث عن تقدم ميداني جديد في شرق وجنوب أوكرانيا، بينما تؤكد كييف أن ما يجري لا يتجاوز مكاسب محدودة وسط معركة مفتوحة على الاستنزاف والوقت والقدرة على الصمود
موسكو – المنشر الإخباري
تشهد الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد الميداني، مع إعلان موسكو إحكام سيطرتها على 12 بلدة أوكرانية خلال أسبوعين فقط من الشهر الجاري، في خطوة تقدمها روسيا بوصفها مؤشراً على تحوّل نوعي في مسار العمليات العسكرية. لكن هذا التوصيف الروسي لا يمر من دون تشكيك أوكراني، إذ تؤكد كييف أن الصورة على الأرض أكثر تعقيداً، وأن ما تصفه موسكو بإنجازات كبيرة لا يتجاوز في كثير من الأحيان تقدماً محدوداً أو مؤقتاً ضمن حرب استنزاف طويلة لم تقترب بعد من لحظة الحسم.
ضغط روسي على محاور الشرق والجنوب
تتركز التحركات الروسية الأخيرة في محاور استراتيجية بشرق وجنوب أوكرانيا، حيث يتصاعد الضغط باتجاه سلوفيانسك، فيما تدور معارك شوارع عنيفة في كوستيانتينيفكا، بالتوازي مع تقدم تدريجي في زاباروجيا ومحاولات لتوسيع مناطق عازلة قرب الحدود الشمالية. ويعكس هذا الانتشار الميداني تعدد الأهداف الروسية، من تثبيت المكاسب في بعض الجبهات إلى استنزاف الدفاعات الأوكرانية في جبهات أخرى.
وتشير القراءة العسكرية لهذه التحركات إلى أن موسكو تحاول إعادة رسم خريطة الضغط على القوات الأوكرانية، عبر إبقاء كييف في حالة استنفار دائم على أكثر من محور، بما يمنعها من تركيز قواتها ومواردها في نقطة واحدة. كما أن هذا النمط من الهجمات المتزامنة يمنح الجيش الروسي فرصة لاختبار نقاط الضعف في الخطوط الدفاعية الأوكرانية، ومحاولة تحقيق اختراقات تدريجية قد تتراكم بمرور الوقت.
دونيتسك في قلب الاستراتيجية الروسية
تأتي هذه التحركات ضمن تصور أوسع يركز على تفكيك ما يعرف بـ”حزام الحصون” الأوكراني في دونيتسك، وهو شريط دفاعي يضم مدناً رئيسية تمثل خط الدفاع الأبرز لكييف في الشرق. وترى موسكو أن اختراق هذا الحزام من شأنه أن يمنحها أفضلية ميدانية وسياسية في آن معاً، نظراً إلى رمزية المنطقة وأهميتها في معادلة الحرب.
وتسعى القوات الروسية، وفق هذا التصور، إلى تحويل التقدم البطيء إلى مكاسب تراكمية، من خلال السيطرة على البلدات الصغيرة أولاً، ثم استخدامها كنقاط انطلاق باتجاه أهداف أكبر. وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب لا يحقق نتائج سريعة، فإنه ينسجم مع طبيعة الحرب الحالية، التي أصبحت أقرب إلى معركة إنهاك متبادل منها إلى حملة خاطفة تنتهي بحسم واضح.
كييف تطرح رواية مضادة
في المقابل، تقدم أوكرانيا رواية مغايرة تماماً للمشهد، إذ تؤكد أن وتيرة الهجمات الروسية تراجعت في بعض المحاور، وأن قواتها نجحت في تنفيذ هجمات مضادة واستعادة مساحات ميدانية وإرباك الخطط الروسية. وتقول كييف إن موسكو تلجأ إلى تضخيم مكاسب تكتيكية صغيرة، وتحويلها إعلامياً إلى اختراقات استراتيجية، في محاولة للتأثير في الرأي العام الداخلي والخارجي.
وتعتمد القوات الأوكرانية في هذه المرحلة على ما تصفه باستراتيجية “الضرب المسبق”، من خلال استهداف منصات المدفعية والصواريخ ومراكز الإمداد قبل انطلاق أي هجوم واسع، أملاً في إبطاء الاندفاع الروسي وإفشال أي محاولة لتوسيع السيطرة. ويعكس هذا الأسلوب تحوّلاً في العقيدة الدفاعية الأوكرانية من مجرد الصمود في الخطوط الأمامية إلى السعي لاستنزاف القوة المهاجمة قبل وصولها إلى خطوط الاشتباك المباشر.
حرب أرقام لا تعني الحسم
ورغم التصريحات الروسية المتفائلة، يرى مراقبون أن الأرقام المجردة لا تكفي وحدها للحديث عن تحول حاسم في الحرب. فالمكاسب الإقليمية التي تحققت خلال عام كامل ما تزال محدودة قياساً إلى المساحة الإجمالية لأوكرانيا، وهو ما يعكس الطبيعة البطيئة والاستنزافية للصراع. فالسيطرة على عدد من البلدات، حتى لو ثبتت ميدانياً، لا تعني تلقائياً انهيار الدفاعات الأوكرانية أو اقتراب نهاية الحرب.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ظل استمرار قدرة أوكرانيا على المناورة والرد، سواء عبر العمليات الدفاعية أو من خلال الضربات التي تنفذها داخل العمق الروسي. لذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية التقدم الجغرافي وحده قد تكون مضللة، لأن الحرب لم تعد تقاس فقط بعدد القرى أو الكيلومترات التي تتبدل السيطرة عليها، بل أيضاً بقدرة كل طرف على تحمل الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية مع مرور الوقت.
قراءة روسية: فرض وقائع قبل التفاوض
ويرى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية بسام البني أن التقدم الروسي الأخير، رغم أهميته، لا يعني أن الحرب الأوكرانية تقترب من نهايتها. ويوضح أن الحديث عن “بداية النهاية” لا يزال مبكراً، لأن ما يحدث يجب وضعه ضمن سياق أوسع لحرب طويلة تتداخل فيها العوامل العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
ويشير البني إلى أن موسكو تسعى من خلال هذا التقدم إلى تعزيز مواقعها التفاوضية وفرض وقائع ميدانية جديدة تمنحها أفضلية في أي مفاوضات محتملة مستقبلاً. فكل تقدم ميداني، حتى لو كان محدوداً، يضاف إلى رصيد الضغط الروسي، ويمنح الكرملين أوراقاً إضافية على طاولة التفاوض. لكن ذلك لا يغير، بحسب هذا التقدير، حقيقة أن الحرب ما تزال مفتوحة، وأن ميزان القوى لم ينكسر بشكل يسمح لأي طرف بفرض نهاية قريبة للصراع.
الربيع الروسي.. زخم لا يرقى إلى الحسم
ويصف البني ما يجري بأنه نوع من “الربيع الروسي” الذي يمنح موسكو زخماً ميدانياً ومعنوياً، لكنه لا يرقى إلى مستوى الحسم النهائي. فروسيا تستفيد من بطء الإمدادات الغربية أحياناً، ومن الضغوط التي تتعرض لها أوكرانيا على أكثر من جبهة، إلا أن هذه العوامل لم تتحول بعد إلى اختراق استراتيجي شامل.
كما يلفت إلى أن التصعيد في الشرق الأوسط قد يمنح روسيا أفضلية غير مباشرة، من خلال استنزاف القدرات الغربية وتراجع تدفق بعض أنواع الدعم العسكري إلى كييف، وخصوصاً أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ. لكن هذه الأفضلية، إن وجدت، تبقى نسبية ومشروطة، لأن الغرب لم يسحب دعمه لأوكرانيا بالكامل، كما أن كييف ما تزال قادرة على التكيف مع الضغوط والاستمرار في القتال.
الرواية الأوكرانية: مبالغة روسية واضحة
على الجانب الآخر، يؤكد مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني إيفان يواس أن الحديث الروسي عن السيطرة على 12 بلدة خلال فترة قصيرة يتضمن قدراً كبيراً من المبالغة ولا يتطابق مع الواقع الميداني الفعلي. ويقول إن بعض التحركات الروسية لا تتعدى دخول مجموعات صغيرة إلى مناطق معينة ورفع العلم الروسي فيها قبل الانسحاب، وهو ما لا يمكن اعتباره سيطرة ميدانية مستقرة.
ويرى يواس أن التصريحات الصادرة عن رئيس هيئة الأركان الروسية فاليري غيراسيموف تدخل في إطار تضخيم المكاسب التكتيكية الصغيرة وتحويلها إلى إنجازات استراتيجية بهدف التأثير في المعنويات، وإيصال رسالة بأن الجبهة الأوكرانية على وشك الانهيار. لكنه يشدد على أن خطوط القتال ما تزال تشهد مواجهات متقطعة من دون تغييرات استراتيجية حاسمة، وهو ما يكشف، بحسب قوله، فجوة واضحة بين الخطاب الإعلامي الروسي والواقع العملياتي على الأرض.
معارك شوارع واستنزاف متبادل
تكشف طبيعة المواجهات في مناطق مثل كوستيانتينيفكا أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لا يعود التقدم مرهوناً بالقوة النارية فقط، بل بقدرة الوحدات المقاتلة على خوض معارك المدن والتمسك بالأحياء والطرق ومفاصل الإمداد. وفي هذه البيئة القتالية، تصبح كلفة السيطرة على أي موقع مرتفعة جداً، سواء بالنسبة للمهاجم أو المدافع.
هذا النمط من القتال يجعل كل تقدم ميداني بطيئاً ومكلفاً، ويزيد من احتمالات الكر والفر، كما يعقّد أي محاولة لتقديم صورة نهائية عن خريطة السيطرة. ولهذا تبدو الحرب، أكثر من أي وقت مضى، معركة نفس طويل، حيث لا تحسمها الضربة الواحدة ولا العملية المحدودة، بل مجموع التراكمات على مدى أشهر وربما سنوات.
الحرب لم تقل كلمتها الأخيرة
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الصراع الروسي الأوكراني لا يزال بعيداً عن لحظة النهاية، مهما ارتفع منسوب التصريحات حول التقدم أو السيطرة. فموسكو تحاول استثمار زخمها الميداني لإعادة تشكيل المشهد في دونيتسك والجنوب، وكييف تراهن على الصمود والضربات المضادة ومنع روسيا من تحويل المكاسب المحدودة إلى انتصار استراتيجي.
وبين رواية روسية تتحدث عن تقدم متسارع، ورواية أوكرانية تصف تلك المكاسب بالمبالغ فيها، تبقى الحقيقة الأوضح أن الحرب تحولت إلى مواجهة استنزاف طويلة ومعقدة، تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، والميدان مع الحسابات الدولية. وفي مثل هذا النوع من الحروب، لا يكون السؤال الأهم من يتقدم اليوم، بل من يستطيع أن يصمد أكثر غداً.








