القاهرة – خاص، في توقيت لافت يتزامن مع اشتعال المنطقة بمواجهات غير مسبوقة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، أطلت صحيفة «إسرائيل هيوم» الإسرائيلية بمقال استهدفت فيه السياسة الخارجية المصرية، واصفة إياها بأنها «تسير على حبل مشدود»، في محاولة مكشوفة لتصوير القاهرة في موقف المتذبذب بين ضفتين متعارضتين، وهو ما رأى فيه مراقبون وصفا مشوها ومدفوعا بأجندة إسرائيلية واضحة.
الصحيفة: القاهرة تلعب دور الوسيط وإعلامها يميل لطهران
زعمت الصحيفة الإسرائيلية أن مصر اضطلعت حتى الآن بدور الوسيط في هذه الحرب، غير أن وسائل الإعلام المحلية المصرية – وفق ادعاءاتها – تميل بوضوح إلى جانب طهران.
وذهبت أبعد من ذلك حين زعمت أن الجيش المصري والمؤسسة الدينية الأزهرية «أقرب إلى الملالي في إيران منهم إلى دول الخليج»، مستندة إلى ما وصفته بمواقف معلقين إعلاميين وخبراء عسكريين وكتاب ينتمون – في رأيها – إلى ما أسمته «خط خامنئي».
وزعمت الصحيفة أنه في حين امتصت معظم الدول العربية مئات الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ، أو باتت واجهات لوكلاء طهران، بقيت مصر خارج دائرة المواجهة المباشرة.
وأشارت إلى أنه بعد مرور أكثر من أسبوعين ونصف على تلك المواجهات، لم تتلق الأراضي المصرية أي ضربة، فيما واصل الحوثيون في اليمن عمليات تعطيل الملاحة في البحر الأحمر المتجهة إلى قناة السويس دون أن يمسوا المصالح المصرية.
نقاط الاشتباك: محددات الموقف المصري كما تصورها الصحيفة
حاولت «إسرائيل هيوم» تفسير ما وصفته بـ«محددات الموقف المصري» الذي أثار – في زعمها – استياء دول الخليج، ورسمت لذلك ثلاثة محاور رئيسية حيث ادعت الصحيفة أن مصر وإن أعلنت في السابق أن أمن الخليج خط أحمر وجزء لا يتجزأ من أمنها القومي، فإن سلوكها الفعلي – وفق الصحيفة – كشف أن جيشها أقرب إلى النظام الإيراني منه إلى حلفائه الخليجيين حين حانت لحظة الاختبار الحقيقية.
كما تحدثت الصحيفة عما وصفته بـ«قلق» القيادة السياسية المصرية من احتمال انهيار النظام الإيراني، مستدركة أنه على الرغم من التنافس التاريخي بين البلدين منذ عام 1979، فإن القاهرة – في تقديرها – تفضل ميزان القوى الراهن خشية أن يؤدي انهيار النظام في طهران إلى تحرك جماعات شيعية بصورة مستقلة ويزعزع استقرار المنطقة، أو أن تفضي الثورة إلى موجة احتجاجات تهدد النظام المصري نفسه.
و أشارت الصحيفة إلى ما وصفته بتوتر لا يقتصر على التصريحات الرسمية، بل يمتد إلى الخطاب الإعلامي الذي تصور فيه وسائل الإعلام المصرية – أحيانا – النظام الإيراني بصورة إيجابية.
ونسبت الصحيفة إلى خبير تركي قوله إن مصر «تتبع استراتيجية التوازن الحذرة»، وإن قرارها بالتركيز على القنوات الدبلوماسية أوجد توترات مع حلفائها. وختمت الصحيفة بالإشارة إلى حالة استياء لدى كتاب خليجيين قالوا إنهم «لن يقدموا دولارا لمصر»، متهمين إياها بالاتكاء على القروض والتبرعات.
المشهد الحقيقي: الموقف المصري الثابت الذي لم تره الصحيفة
بيد أن هذا السرد الإسرائيلي يصطدم بجملة من الحقائق الموثقة التي تدحض ادعاءاته من جذورها.
فالخطاب الرسمي المصري لم يتبن في أي مرحلة دعم إيران أو مساندة مواقفها، بل كان على النقيض من ذلك تماما؛ إذ أكدت القاهرة مرارا إدانتها الكاملة للاعتداءات الإيرانية على أمن دول الخليج، وأعلنت مساندتها لتلك الدول فور تعرضها للهجمات.
والموقف المصري لم يتغير منذ اللحظة الأولى: التمسك بخيار الدبلوماسية، وتغليب الحلول السياسية، والنأي بالنفس عن الانخراط العسكري المباشر في صراع تعتبره القاهرة في جوهره مسعى إسرائيليا لإعادة رسم التوازن الاستراتيجي في المنطقة، لا حربا عربية إيرانية بالمعنى الحقيقي.
وفي هذا السياق، يتضح أن الدور الذي تؤديه مصر ليس تذبذبا أو انعداما في الرؤية، بل هو انعكاس لمنهج راسخ يقوم على يقين مفاده أن جميع أطراف الحروب خاسرون في نهاية المطاف، وأن الدبلوماسية ليست ضعفا بل هي الأداة الأكثر نضجا وفاعلية في التعامل مع أزمات بهذا الحجم والتعقيد.
الهدف الحقيقي: تحريض الخليج على مصر
لا يصعب على المراقبين المتأنيين قراءة الهدف الحقيقي من وراء هذا المقال الإسرائيلي. فالصحيفة لا تسعى إلى توصيف موضوعي للسياسة المصرية، بل تعمل وفق أجندة محددة تستهدف «توتير» العلاقات بين مصر ودول الخليج، في مسعى خبيث لتوريط الجميع في مواجهة سنية-شيعية موسعة تخدم بالدرجة الأولى مشروع الهيمنة الإسرائيلي على المنطقة.
فتفتيت التضامن العربي، وتصوير الفاعلين العرب الكبار على أنهم متناقضون أو غير موثوقين، هو بالضبط ما تسعى إليه الصحافة العبرية حين «تنفخ في النار» بين القاهرة والرياض وأبوظبي والدوحة.
كما يلفت النظر أن الصحيفة اختارت توقيتا بعينه للنشر، حين تكون المنطقة في أوج توترها، والعواصم العربية منشغلة بإدارة أزماتها الآنية، لإطلاق هذه الاتهامات التي تستهدف زرع بذور الشك في مسار العلاقات العربية البينية.
الاقتصاد المصري: ورقة الضغط التي لوح بها المقال
لم يفت الصحيفة الإشارة إلى نقطة الضعف الاقتصادية، إذ زعمت أن الاقتصاد المصري يظل عرضة بشكل خاص للصدمات، وأن أي هزة اقتصادية قد تدفع الجماهير إلى الشوارع.
وهذا التلميح لا يقرأ على أنه تحليل اقتصادي نزيه، بل هو محاولة للإيحاء بأن الضغط الاقتصادي قد يكون أداة للتأثير في القرار المصري وثنيه عن نهجه الراهن، في استدعاء صريح لمنطق الابتزاز المقنع بعباءة التحليل.
دبلوماسية الثبات في مواجهة حرب السرديات
في المحصلة، يكشف مقال «إسرائيل هيوم» عن حرب موازية تدور على صفحات الصحف وشاشات التواصل الاجتماعي، لا تقل خطورة عن الحرب الدائرة في الميدان.
وأمام هذه الحرب، يغدو التكثيف الإعلامي لتوضيح الدور المصري الحقيقي ضرورة استراتيجية لا ترفا، لا سيما في ما يخص إبراز إسهام القاهرة في صون الأمن العربي عبر القنوات الدبلوماسية لا البوابات العسكرية، وتأكيد أن الثبات على هذا النهج ليس مراوغة بل هو خيار استراتيجي واع وحكيم، يضع المصالح العربية الجماعية فوق كل اعتبار.











