ترامب يوظف إسرائيل لتنفيذ الاغتيالات الكبرى فى إيران لتجنب التداعيات المباشرة
القدس، الخميس 19 مارس 2026 –المنشر الإخبارى
مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز سؤال محوري على الساحة الاستراتيجية: لماذا تتولى إسرائيل تنفيذ معظم عمليات الاغتيال ضد كبار المسؤولين الإيرانيين، بينما تكتفي واشنطن بدور ثانوي؟ هذا السؤال كشفته تحليلات الصحف الإسرائيلية، أبرزها “جيروزاليم بوست”، التي أشارت إلى تحول كبير في الاستراتيجية العسكرية ضد طهران.
في المراحل الأولى من الصراع، كانت الأدوار بين واشنطن وتل أبيب في اغتيال القادة الإيرانيين غامضة، فيما حرصت المصادر العسكرية الأمريكية على عدم نسب الفضل لنفسها، حتى عندما زودت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إسرائيل ببعض المعلومات الاستخباراتية الحيوية.
من سليماني إلى خامنئي ولاريجاني: تحول في استراتيجية الاغتيالات
خلال السنوات الماضية، كانت إسرائيل متحفظة للغاية على تبني المسؤولية العلنية عن اغتيالات كبار القادة الإيرانيين. مثال ذلك اغتيال محسن فخري زاده، رئيس البرنامج النووي الإيراني، في نوفمبر 2020، والتي نُسبت إلى الموساد رغم أن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها رسميًا.
هذا التحفظ كان مرتبطًا بخوف تل أبيب من رد إيراني عنيف يشمل هجمات صاروخية باليستية وعمليات من قبل وكلاء إيران في المنطقة، بما في ذلك حزب الله وحماس. وقد امتدت مخاوف إسرائيل إلى استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.
ومع ذلك، في أبريل 2024، نفذت إسرائيل اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني في سوريا ولبنان، محمد رضا زاهدي، دون إعلان المسؤولية. كان زاهدي يشرف على تحويل لبنان وسوريا إلى جبهات محتملة ضد إسرائيل، وفي الوقت نفسه كانت تل أبيب تتحضر لغزو رفح، فكان إبعاد زاهدي خطوة استراتيجية ضرورية.
الرد الإيراني الأولي: اختبار حدود القوة
أدت هذه الاغتيالات إلى رد إيراني مباشر، إذ أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل، بينما أطلق حزب الله وصواريخ الحوثيين وقوات موالية لطهران في العراق وسوريا. المفاجأة كانت في قدرة إسرائيل على إسقاط معظم الهجمات دون خسائر بشرية كبيرة، وهو ما أكسبها ثقة جديدة في تحمل أقسى ضربات من النظام الإيراني.
هذا التحول الاستراتيجي مهد الطريق لعمليات اغتيال واسعة في يونيو 2025، أودت بحياة قادة بارزين في الحرس الثوري الإيراني وكبار المسؤولين العسكريين الآخرين.
دور ترامب والولايات المتحدة: بين التخطيط والتحفظ
على الرغم من استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمواجهة طهران، لم يكن واضحًا في البداية ما إذا كان سيأمر القوات الأمريكية بالتدخل المباشر. عندما تحقق التفوق الجوي الإسرائيلي، أصبح ترامب أكثر استعدادًا لمخاطرة أقل، مع إبقاء عمليات الاغتيال في يد إسرائيل، ما مكنه من تحقيق أهدافه الاستراتيجية مع الحد الأدنى من المخاطر على القوات الأمريكية.
تحليل الخبراء يشير إلى أن اختيار إسرائيل لتنفيذ الاغتيالات يعود إلى خبرتها في اختراق إيران على الأرض، وهو مجال لم تتمكن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من تحقيقه منذ عقود، بالإضافة إلى الاعتبارات السياسية للرئيس الأمريكي، الذي قد يسعى لاحقًا للتفاوض مع قيادات إيرانية جديدة أقل تشددًا.
إسرائيل والولايات المتحدة: تحالف تكتيكي متوازن
الاستراتيجية المشتركة الآن تقوم على مزيج من القوة الجوية الأمريكية والتدخل الاستخباراتي الإسرائيلي، حيث توفر الولايات المتحدة الضربات الجوية والدعم اللوجستي، بينما تتولى إسرائيل اغتيال الشخصيات الاستراتيجية على الأرض. هذا التوزيع يتيح لإسرائيل السيطرة على العمليات الحساسة مع الحد من المخاطر المباشرة، بينما تحصل واشنطن على التفوق العسكري والقدرة على التأثير بعيد المدى دون تورط مباشر في اغتيالات قد تسبب رد فعل إيراني واسع.
النتائج والتداعيات المستقبلية
النجاح الإسرائيلي في هذه العمليات أعاد رسم موازين القوى في المنطقة، إذ أصبح النظام الإيراني أكثر حرصًا على حماية قادته العسكريين، بينما تكيفت تل أبيب مع المخاطر المحتملة. وبالنسبة لترامب، فإن الاعتماد على إسرائيل في الاغتيالات يسمح له بالتركيز على الضربات الاستراتيجية وإدارة النزاع السياسي والدبلوماسي دون الانجرار إلى عمليات محفوفة بالمخاطر.
يظل السؤال حول مستقبل الاغتيالات قائماً، خصوصًا مع استمرار الحرب الحالية، وامتدادها لأكثر من ثلاثة أسابيع حتى الآن. إذ قد تعيد إسرائيل النظر في توسيع عملياتها، بينما يراقب ترامب بحذر النتائج ويوازن بين المخاطر السياسية والاستراتيجية والفرص المحتملة للتفاوض مع طهران في المستقبل.
في النهاية، يبدو أن استراتيجية اغتيال كبار المسؤولين الإيرانيين أصبحت “حكرًا” على إسرائيل، في حين تركز الولايات المتحدة على التفوق العسكري والسيطرة الجوية، وهو ما يعكس تحولًا غير مسبوق في الديناميكيات العسكرية في الشرق الأوسط.










