في خطوة تكشف عن حجم الصدمة التي تعيشها المؤسسة الأمنية الإيرانية، أعلنت وكالة «ديدبان إيران» اليوم الخميس، تعيين وزير الدفاع الإيراني الأسبق اللواء حسين دهقان أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وذلك في أعقاب اغتيال الأمين السابق علي لاريجاني على يد القوات الإسرائيلية، في ضربة وصفتها طهران بأنها عدوان سافر يستوجب الرد.
اغتيال لاريجاني.. الليلة التي هزت طهران
في ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسميا نعي أمين مجلسها الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، أحد أبرز الوجوه السياسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. جاء الإعلان بعد ساعات قليلة من إعلان إسرائيل اغتياله في ضربة جوية دقيقة استهدفته شخصيا.
ووفق ما أوضحته وكالة «فارس» الإيرانية، لقي لاريجاني حتفه جراء غارة شنتها مقاتلات أمريكية وإسرائيلية مشتركة استهدفت منزل ابنته.
وكان برفقته حين اندلعت النيران ابنه مرتضى، ومعاون الأمن في الأمانة العامة للمجلس علي رضا بيات، إضافة إلى عدد من مرافقيه الشخصيين، في مشهد دموي لم تعهده العاصمة طهران منذ أمد بعيد.
من جهتها، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى تأكيده أن الضربة استهدفت لاريجاني في شقة سرية داخل العاصمة الإيرانية، مشيرا إلى أن العملية جرت بعد تتبع دقيق لتحركاته.
وكانت منطقة برديس قد شهدت قصفا عنيفا قرب الساعة الثالثة فجرا من يوم الثلاثاء، ضمن سلسلة ضربات جوية إسرائيلية متزامنة طالت العاصمة ومناطق إيرانية أخرى.
وبعد ساعات من تلك الغارات، بدأت تتردد على ألسنة السكان والمصادر المحلية أسماء مسؤولين إيرانيين كانوا في موقع الاستهداف، في مقدمتهم لاريجاني، إلى جانب اللواء أحمد رضا رادان قائد قوى الأمن الداخلي في إيران.
سيرة رجل جمع السياسة والسلطة والدين
لم يكن علي لاريجاني مجرد مسؤول أمني، بل كان ظاهرة سياسية فريدة في المشهد الإيراني؛ فهو ينتمي إلى إحدى أعرق عائلات رجال الدين في البلاد، تلك التي قدمت لإيران ما بعد الثورة وجوها قيادية في مختلف مفاصل الدولة.
وقد كان لإخوته حضور لافت في مواقع السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية في أعقاب ثورة عام 1979.
غير أن ما ميز لاريجاني عن غيره من أبناء جيله من رجال الثورة هو تلك المزدوجة النادرة التي جمع بين طرفيها: البراغماتية السياسية الحادة، والولاء المطلق للنظام وقواعد اللعبة التي رسمها المرشد.
فقد عرف بأنه رجل عملي بامتياز، يجيد التفاوض، ويتقن إدارة الأزمات، لكنه في الوقت ذاته لم يتردد يوما في تجنيد كل أدواته للدفاع عن منظومة الحكم في بلاده.
بدأ مسيرته الميدانية على جبهات الحرب، إذ قاد وحدات في الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب الطويلة مع العراق بين عامي 1980 و1988، مكتسبا خبرة قتالية وعلاقات مؤسسية ستكون ورقة رابحة في مسيرته اللاحقة.
ومن الجبهة إلى الشاشة، تولى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون، ليتحكم في إحدى أدوات صياغة الوعي العام الإيراني.
ثم انتقل إلى المسار الأمني والدبلوماسي حاملا أثقل الملفات، إذ أدار لاريجاني المفاوضات النووية الإيرانية مع الغرب في مرحلة من أشد مراحلها تعقيدا وحساسية، وأسهم في رسم ملامح علاقات طهران الإقليمية، من دمشق إلى بيروت إلى صنعاء. وحين اشتعلت الاضطرابات الداخلية، كان لاريجاني حاضرا في غرف القرار التي تولت إخمادها.
وفي التشريع، وجد لاريجاني ملعبه الأوسع، حيث تولى رئاسة البرلمان الإيراني لاثني عشر عاما متتالية، محققا بذلك رقما قياسيا في تاريخ الحياة التشريعية الإيرانية، وكاشفا عن مدى ثقة المرشد والمؤسسة في قدرته على إدارة هذه الواجهة الدستورية. وقبيل اغتياله، كان يشغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو الموقع الذي يجعله صاحب الكلمة الفصل في رسم الاستراتيجية الأمنية الإيرانية ومدير اتصالاتها الحساسة مع الخارج.
دهقان.. الرجل الذي يخلف ملفا شائكا
في هذا السياق المأزوم، جاء اختيار اللواء حسين دهقان لتولي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي خيارا محملا بدلالات عميقة. فدهقان ليس غريبا عن دهاليز المؤسسة الأمنية والعسكرية؛ فهو من أبناء الحرس الثوري الذين صنعتهم جبهات الحرب، وأحد الوجوه التي تمتلك حضورا موثوقا في منظومة صنع القرار الإيراني.
تولى دهقان حقيبة وزارة الدفاع في حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، وأشرف خلال تلك المرحلة على ملفات التسليح والتطوير العسكري في ظروف بالغة الحساسية، وسط ضغوط دولية متصاعدة وعقوبات مشددة.
وهو يحمل من الخبرة الأمنية والعلاقات المؤسسية ما يؤهله لاستيعاب صدمة غياب لاريجاني، والمضي في إدارة الملفات الساخنة التي تركها شاغرة.
بيد أن التحدي الذي يواجهه دهقان يتخطى مجرد ملء الفراغ المؤسسي؛ فهو يتسلم الأمانة في لحظة بالغة الخطورة، تواجه فيها إيران ضغوطا أمنية غير مسبوقة، في ظل توالي الضربات الإسرائيلية التي باتت تطال قلب المنظومة الأمنية وكبار قياداتها. وعليه أن يدير في آن معا: إعادة بناء الثقة داخل المنظومة، وصياغة الاستجابة على المستوى الاستراتيجي، وإبقاء خطوط التواصل مع الشركاء الإقليميين والدوليين مفتوحة في مرحلة تتسم بالغموض.
طهران في مواجهة مرحلة الاختبار الكبرى
تضع عملية اغتيال لاريجاني طهران أمام معادلة بالغة التعقيد، وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الاستراتيجية الأمنية الإيرانية: كيف سترد، ومتى، وبأي أدوات؟ وهل ستحافظ على تماسكها المؤسسي في ظل الضربات المتتالية التي تستهدف رأس منظومتها؟
الواضح حتى الآن أن إيران اختارت الإسراع في ملء الفراغ القيادي، مؤكدة بذلك إصرارها على الاستمرار والصمود المؤسسي. لكن إجابة الأسئلة الكبرى ستظل رهينة بما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة، في مشهد إقليمي لا يحتمل أي تأخير في الحسابات.










