في تحليل سياسي غير مسبوق يتسم بالصراحة والمكاشفة، رسم وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، صورة قاتمة للمشهد الأمني في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدا أن التصعيد العسكري الأخير الذي شهدته المنطقة كان نتيجة مباشرة لقرارات استراتيجية خاطئة اتخذتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي مقال رأي مفصل نشرته مجلة “إيكونوميست” البريطانية، اعتبر البوسعيدي أن الرد الإيراني الذي استهدف مواقع أمريكية في دول الخليج يمثل “نتيجة حتمية” للضغوط العسكرية القصيرة النظر التي مورست ضد طهران، واصفا إياه بأنه “الخيار العقلاني الوحيد” المتبادل للقيادة الإيرانية في ظل التهديدات الوجودية التي تواجهها.
ضربة “فبراير” وإجهاض فرصة السلام
استهل وزير الخارجية العماني مقاله بالإشارة إلى التحول الدراماتيكي الذي حدث في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، واصفا إياه بالصادم. فبينما كانت المنطقة تترقب مخرجات أحدث جولات المفاوضات العميقة، أقدمت إسرائيل والولايات المتحدة على شن ضربة عسكرية وصفها البوسعيدي بـ “غير القانونية”.
وأكد البوسعيدي أن هذا الهجوم لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل كان رصاصة الرحمة التي “أطاحت بفرصة السلام التي بدت ممكنة، ولو مؤقتا”، مشددا على أن التوقيت كان سيئا للغاية وجاء في لحظة دبلوماسية حرجة.
منطق الرد الإيراني وحتمية التصعيد
وفي قراءته للرد الإيراني اللاحق، أوضح وزير الخارجية العمانيأن استهداف طهران لأهداف أمريكية في أراضي دول مجاورة، رغم كونه أمرا “مؤسفا للغاية وغير مقبول بالكامل”، إلا أنه يظل نتيجة منطقية لمسار الأحداث.
وقال البوسعيدي: “في مواجهة ما وصفته كل من إسرائيل والولايات المتحدة بأنه حرب تهدف إلى إنهاء الجمهورية الإسلامية، بدا هذا الخيار على الأرجح الخيار العقلاني الوحيد المتاح أمام القيادة الإيرانية”.
وانتقد الوزير العماني بشدة الانجرار الأمريكي خلف الطموحات الإسرائيلية، معتبرا أن “أكبر أخطاء الإدارة الأمريكية” كان السماح لنفسها بالدخول في هذه الحرب منذ البداية.
وشدد وزير الخارجية العماني على أن هذه المواجهة “ليست حرب الولايات المتحدة”، محذرا من أنه لا يوجد أي سيناريو واقعي يضمن خروج واشنطن وتل أبيب منتصرتين بامتياز.
أوهام تغيير النظام والواقع العسكري
كشف البوسعيدي عن وجود فجوة في الأهداف بين الحليفين؛ فبينما قد يكون الخطاب الأمريكي حول “تغيير النظام” مجرد مناورة سياسية، تسعى إسرائيل صراحة إلى “إسقاط الجمهورية الإسلامية” دون اكتراث بالبديل أو بكيفية حكم البلاد لاحقا.
وأشار وزير الخارجية العماني إلى أن التقديرات الإسرائيلية التي قدمت لواشنطن كانت مضللة، حيث ادعت أن إيران قد أضعفت بفعل العقوبات والضربات السابقة على منشآتها النووية في يونيو الماضي واغتيال المرشد الأعلى، لدرجة أنها ستستسلم بعد الضربة الأولى.
إلا أن الواقع، بحسب البوسعيدي، أثبت خطأ هذه الحسابات، موضحا أن تحقيق الهدف الإسرائيلي سيتطلب “حملة عسكرية طويلة” تستدعي نشر قوات أمريكية على الأرض، وهو ما يجر واشنطن إلى “جبهة جديدة في حروب لا نهاية لها” كان الرئيس دونالد ترامب قد تعهد بإنهائها. وفي عبارة لافتة، أكد الوزير أن الولايات المتحدة “فقدت السيطرة على سياستها الخارجية”.
أزمة الثقة وتهديد النموذج الخليجي
وعلى صعيد العلاقات العربية-الأمريكية، أشار وزير الخارجية العماني إلى تصدع عميق في جدار الثقة، مؤكدا أن الدول العربية التي اعتمدت على التعاون الأمني مع واشنطن بدأت تنظر إليه كـ “مصدر لهشاشة خطيرة” يهدد أمنها وازدهارها. وحذر من أن النموذج الاقتصادي الخليجي الحديث القائم على الرياضة والسياحة والطيران والتكنولوجيا بات تحت التهديد المباشر.
كما لفت إلى التداعيات العالمية للرد الإيراني، والتي بدأت تظهر من خلال الاضطراب الشديد في حركة الملاحة بمضيق هرمز، مما تسبب في قفزات بأسعار الطاقة وتهديدات بحدوث ركود اقتصادي عالمي.
واختتم البوسعيدي تحليله بالتأكيد على أن فشل مخططي الحرب في توقع هذه النتائج يمثل “خطأ جسيما في التقدير”، مؤكدا صعوبة العودة للحوار في ظل إدارة أمريكية “انتقلت مرتين بشكل مفاجئ من التفاوض إلى القصف والاغتيال”.










