هجوم بطائرة مسيّرة يقتل مدنيين في مدينة حدودية وتصعيد ينذر بتحول الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة
الخرطوم – 20 مارس 2026 المنشر الإخبارى
باتت الحرب الأهلية في السودان، المندلعة منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، تتجه بشكل متزايد نحو التحول إلى صراع إقليمي مفتوح، مع تصاعد المؤشرات على امتدادها إلى دول الجوار، وفي مقدمتها تشاد.
فقد أسفر هجوم بطائرة مسيّرة، وقع أمس الخميس 19 مارس، عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصًا في مدينة تيني الحدودية داخل الأراضي التشادية، في حادثة تعكس تصعيدًا خطيرًا في طبيعة النزاع. واتهمت السلطات التشادية قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بتنفيذ الهجوم، في إطار المواجهات المستمرة مع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.
في المقابل، نفت قوات الدعم السريع هذه الاتهامات، محمّلة الجيش السوداني المسؤولية، ووصفت الهجوم بأنه “عمل إرهابي” نفذته عناصر مرتبطة بما وصفته بـ”الإخوان المسلمين” داخل المؤسسة العسكرية السودانية. وأكدت في بيان رسمي أن الهجوم يمثل “انتهاكًا صارخًا لسيادة تشاد وتصعيدًا عابرًا للحدود”، مشيرة إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة ضد الأراضي التشادية تكرر أكثر من مرة.
تشاد تتحرك عسكريًا وتلوّح بالرد
وعقب الهجوم، عقد الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي اجتماعًا طارئًا لمجلس الدفاع والأمن، أصدر خلاله أوامر مباشرة للجيش بالرد على أي هجوم مصدره السودان، مؤكدًا أن سياسة الرد ستشمل جميع الأطراف المتحاربة دون استثناء.
وأعربت الرئاسة التشادية عن استيائها من فشل جهود الوساطة، مشيرة إلى أن طرفي النزاع في السودان تجاهلا المساعي الدبلوماسية، بينما تتحمل تشاد العبء الإنساني الأكبر نتيجة تدفق اللاجئين. كما اتهمت الخرطوم بمحاولة زعزعة استقرار البلاد عبر تصدير النزاعات الداخلية.
وفي إطار التصعيد، أرسلت الحكومة التشادية وفدًا رفيع المستوى، يضم وزيري الدفاع والأمن، إلى المناطق المتضررة لتقييم الخسائر. ويأتي ذلك بعد حادثة سابقة أواخر فبراير، أسفرت عن مقتل 15 جنديًا و8 مدنيين في هجوم مماثل.
عمليات أمنية واسعة على الحدود
ردًا على التطورات، أطلقت القوات التشادية عمليات أمنية موسعة شملت تفتيش المنازل بحثًا عن أسلحة، ونشرت نحو 200 مركبة عسكرية على طول الحدود. كما أفادت مصادر محلية بأن وحدات من الجيش دخلت الأراضي السودانية لمصادرة معدات عسكرية.
وشددت السلطات القيود على اللاجئين، حيث سمحت بالعبور سيرًا على الأقدام فقط، مع حظر دخول المركبات المدنية، ومنع ارتداء الزي العسكري أو العمامة التقليدية “الكدمول”.
صراع على ممرات استراتيجية
يتزامن هذا التصعيد مع معارك عنيفة في منطقة تيني الاستراتيجية، التي تُعد ممرًا إنسانيًا حيويًا. وتسعى قوات الدعم السريع للسيطرة عليها عبر هجمات برية مكثفة، فيما يحاول الجيش السوداني صد هذه الهجمات.
وتتهم الخرطوم تشاد بدعم قوات الدعم السريع عبر السماح باستخدام أراضيها لأغراض لوجستية، خاصة لنقل الأسلحة القادمة من الإمارات، وهو ما تنفيه نجامينا بشكل متكرر.
الإمارات في قلب الاتهامات
تشير تقارير وتحليلات دولية إلى أن الإمارات تلعب دورًا محوريًا في دعم قوات الدعم السريع، من خلال توفير السلاح والتمويل والدعم اللوجستي، عبر شبكة معقدة من الرحلات الجوية وشركات الشحن.
ورغم الاضطرابات الإقليمية، لم تتوقف هذه الإمدادات، حيث كشفت تقارير عن استمرار رحلات طائرات الشحن إلى أفريقيا، حتى بعد الهجمات التي طالت مناطق في الخليج. وتوقفت هذه الرحلات لفترة قصيرة فقط قبل أن تستأنف من مطارات بديلة.
وتُستخدم مطارات في تشاد وإثيوبيا كنقاط عبور رئيسية، مع إطفاء أجهزة التتبع أثناء عبور بعض الطائرات لمناطق حساسة، ما يصعّب تحديد وجهاتها النهائية.
شبكة إمداد متعددة المسارات
إلى جانب تشاد، تلعب دول أخرى أدوارًا في شبكة الإمداد، أبرزها ليبيا، حيث تُستخدم مناطق في الشرق الليبي كممر لنقل الأسلحة إلى السودان. وتشير تقديرات إلى تنفيذ مئات الرحلات الجوية خلال عام واحد فقط لهذا الغرض.
كما توسعت الإمارات في استثماراتها في أفريقيا، خاصة في جمهورية أفريقيا الوسطى، في خطوة يُعتقد أنها تهدف لتعزيز نفوذها اللوجستي والعسكري في المنطقة.
حرب مستمرة دون حسم
على الأرض، لا تزال المعارك محتدمة، خاصة في إقليم كردفان الشمالي، حيث تدور مواجهات حول مدينة الأبيض الاستراتيجية، التي تحاصرها قوات الدعم السريع منذ أكثر من عامين.
وفي 16 مارس، تمكنت قوات دقلو من السيطرة على مدينة بارا، ثاني أكبر مدن الإقليم، بعد معارك كرّ وفرّ مع الجيش.
ضغوط إقليمية وتوازنات معقدة
في ظل هذا المشهد، تمارس مصر والسعودية وتركيا ضغوطًا على دول الجوار لوقف دعم قوات الدعم السريع، بينما تواصل الإمارات تطوير مسارات بديلة للإمداد، ما يعكس تعقيد المشهد الإقليمي.
كما إنتشرت معلومات تفيد بأن مصر دخلت على خط المواجهة بشكل غير مباشر، عبر نشر طائرات مسيّرة في جنوب البلاد، واستهداف مواقع تابعة لقوات الدعم السريع قرب الحدود.
نحو صراع إقليمي مفتوح
كل هذه التطورات تشير إلى أن الحرب في السودان لم تعد صراعًا داخليًا، بل باتت ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، مع خطر حقيقي بانفجار جبهات جديدة، خاصة في ظل هشاشة الحدود وتعدد الفاعلين.
ومع استمرار تدفق السلاح وتوسع رقعة الاشتباكات، يبدو أن المنطقة تقف على حافة تحول خطير، قد يعيد رسم خريطة النفوذ في شرق أفريقيا والساحل، ويهدد بموجة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.









