أصدرت محكمة جنح مستأنف القاهرة في الآونة الأخيرة قرارًا مهمًا بإلغاء حُكم حبس الإعلامية المصرية مها الصغير، والاكتفاء بتوقيع غرامة مالية عليها في قضية سرقة لوحات فنية، في تطور لافت يُعد تصحيحاً لمسار قضائي أثار جدلاً واسعًا داخل الوسط الإعلامي والقانوني في مصر.
تفاصيل القضية منذ البداية
بدأت القصة عندما تقدّم أحد أصحاب الاستديوهات الفنية بشكوى أمام النيابة تتهم مها الصغير، والتي تُعرف في الوسط الإعلامي ببرامجها ونشاطها الفني، باستيلاءها على لوحات فنية خاصة بمشروع تصويري تم التعاون فيه بين الطرفين.
وقد نُسب إليها في التحقيقات اتهامات بـ”السرقة” أو التعامل مع ممتلكات غير مملوكة لها، وفقاً لتعليمات النيابة، قبل أن تُحول القضية إلى محكمة جنحة للفصل فيها.
في الجلسة الأولى، أصدرت محكمة جنح القاهرة حُكمًا يقضي بحبس الإعلامية لمدة محددة، مع تغريمها ماليًا، ما أثار ردود فعل واسعة بين زملائها في الوسط الإعلامي، ونشطاء حقوق الإنسان، ومحامين، الذين انتقدوا ما رأوه تشددًا في التعامل مع ما يُوصف بـ”قضية ذات طابع فني وإبداعي” أكثر من كونها خرقًا جنائيًا واضحًا.
الاستئناف وإلغاء الحبس
contesting the decision, تقدم محامو مها الصغير بطعن أمام محكمة الجنح المستأنفة، مبررين طلبهم بإلغاء الحبس وتعديله إلى غرامة مالية فقط على عدة محاور:
أن سلوكها في التعامل مع اللوحات لم يخرج عن طبيعة العمل الفني والإنتاجي، وأن الخلاف كان على حقوق الملكية أو الاستخدام، وليس على “الاستيلاء” المباشر.
أن تطبيق العقوبة السالبة للحرية في قضية يُمكن حسمها مدنيًا أو وديًا يُعد مبالغة مقارنة بما ينص عليه القانون المصري من نظرية التقدير العقابي.
أن الوضع الإعلامي والشعبي للإعلامية يقتضي مراعاة العدالة والتناسب، خاصة أن القضية لم تُثبت أي ضرر مالي جسيم أو تزوير موثق.
وأمام هذه الحجج، ألغت محكمة الجنح المستأنفة قرار الحبس، وقررت الاكتفاء بتوقيع غرامة مالية، ما يعني أن مها الصغير لن تُقبع في السجن، بل تُنهي الملف بغرامة مالية تُدفع لخزانة الدولة، مع احتفاظها بحق الرجوع قضائيًا في أي دعوى مدنية قد تنشأ عن ملكية اللوحات أو حقوقها الفكرية.
تداعيات القرار على الوسط الإعلامي
القرار اعتبره كثير من المتابعين خطوة متعددة الآثار:
بالنسبة لقطاع الإعلام في مصر، يُنظر إليه كاختبار جديد لحد التوازن بين مساءلة المخالفات القانونية وبين حماية حرية العمل الإبداعي، خاصة في مجالات الفنون والتصوير، حيث تتقاطع فيها حقوق الملكية، ومصادر التمويل، وحقوق التنفيذ.
في الشارع الإعلامي، ظهرت تفاعلات متفاوتة؛ فمن يرى أن القرار تصحيحٌ لخطأ، يرى فيه البعض الآخر أن “الحصانة الخاصة” لمن لهم مكانة إعلامية قد تؤثر على حياد القضاء.
من زاوية قانونية، يفتح الحكم نقاشًا حول ضرورة توضيح معايير تصنيف “السرقة الفنية” أو “الاستخدام غير المشروع للمادة الفنية”، وهل تُعامل مثل سرقة المال أو العقار، أم تُدرج في إطار قانوني خاص للملكية الفكرية والفنية.
آثار المحاكمة على صورة الإعلامية
مها الصغير، التي كانت قد واجهت موجة من التساؤلات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد إعلان حُكم الحبس الأول، انتقلت إلى وضع جديد بعد إلغاء العقوبة السالبة للحرية. في تصريحات نُقلت عنها بعد الجلسة، أعربت عن شعورها بالراحة، وشدّدت على “احترامها الكامل للقانون”، وأنها ستتولى في الفترة المقبلة ترتيب وضع حقوقها في أي أعمال فنية مترتبة على مشاريعها الفنية والإعلامية.
كما أشارت إلى أن المرحلة المقبلة ستكون فرصة لإعادة تقييم الطريقة التي تُوثَّق بها الاتفاقات بين المبدعين والإعلاميين، سواء مع مصورين، أو فنانين، أو استوديوهات، لمنع تكرار مثل هذه الخلافات.
ما الذي يتبقى بعد القرار؟
رغم إلغاء الحبس، فإن القرار لم يُلغي العقوبة تمامًا، بل حوّل طبيعتها من “السجن” إلى “الغرامة”، ما يعني أن:
الملف الجنائي يُعتبر مغلقًا من حيث العقوبة المقامة،
لكن الملف المدني أو الفني مازال مفتوحًا نظريًا، في حال أراد صاحب اللوحات رفع دعوى مطالبة بتعويض أو إقرار بحق الملكية أو منع استخدام الصور.
كما أن القرار يُعد إشارة للجهات القضائية بأن التعامل مع القضايا ذات الطابع الفني أو الإعلامي يتطلب درجة أعلى من التمييز بين “الجريمة الجنائية” و”النزاع التجاري أو الفكري”.










