الميليشيات توسّع هجماتها من القواعد الأجنبية إلى مؤسسات الدولة العراقية وسط تحذيرات من انزلاق بغداد إلى صراع نفوذ مفتوح
بغداد – السبت 21 مارس 2026 المنشر الإخبارى
دخلت الأزمة الأمنية في العراق مرحلة جديدة وخطيرة، بعد الهجوم الذي استهدف جهاز المخابرات العراقي في العاصمة بغداد، في تطور يشير إلى أن الصراع لم يعد موجهاً فقط ضد الوجود الأميركي، بل امتد ليشمل مؤسسات الدولة العراقية نفسها، في مؤشر واضح على تصاعد التوتر بين الميليشيات المدعومة من إيران وبعض أجهزة الدولة.
الهجوم الذي استهدف مقر جهاز المخابرات الوطنية العراقية أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم ضابط في الجهاز، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية العراقية، التي وصفت الهجوم بأنه «عمل إرهابي» نفذته جهات خارجة عن القانون، مؤكدة أن الهجوم لن يؤثر على عملها وأنها ستواصل ملاحقة المسؤولين عنه.
من استهداف القواعد إلى استهداف الدولة
منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران أواخر فبراير الماضي، صعّدت الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق هجماتها بشكل كبير، حيث نفذت مئات العمليات التي استهدفت قواعد عسكرية ومصالح أميركية، إضافة إلى مواقع في إقليم كردستان شمال العراق.
لكن الهجوم على جهاز المخابرات هذه المرة يحمل دلالات مختلفة، لأنه يعني أن المواجهة انتقلت من استهداف الوجود الأجنبي إلى استهداف مؤسسات عراقية رسمية، وهو ما يعكس صراع نفوذ داخل الدولة بين أطراف مرتبطة بمحاور إقليمية مختلفة.
ويرى محللون أن جهاز المخابرات العراقي يُنظر إليه من قبل بعض الفصائل المسلحة على أنه قريب من الولايات المتحدة، خاصة أنه تأسس بعد عام 2003، وتعاون لسنوات مع أجهزة الاستخبارات الأميركية في ملفات عديدة، أبرزها الحرب على تنظيم داعش.
رسالة ضغط سياسية وأمنية
بحسب تقديرات أمنية، فإن الهجوم على جهاز المخابرات لا يُفهم فقط باعتباره عملية عسكرية، بل رسالة ضغط سياسية تهدف إلى ردع أي تعاون استخباراتي عراقي – أميركي خلال فترة الحرب الحالية، خاصة أن المعلومات الاستخباراتية تلعب دوراً حاسماً في تحديد أهداف الضربات الجوية.
وترى بعض الفصائل المسلحة أن أي تعاون بين الأجهزة الأمنية العراقية والولايات المتحدة يمثل تهديداً مباشراً لها، لأنه قد يؤدي إلى استهداف قياداتها أو مواقعها العسكرية.
موقف الحكومة العراقية المعقد
الحكومة العراقية تجد نفسها في موقف شديد التعقيد، فهي من جهة ترتبط بعلاقات رسمية مع الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تعتمد على قوات الحشد الشعبي كجزء من المنظومة الأمنية الرسمية في البلاد.
وقد أكد رئيس الوزراء العراقي دعم الحكومة لقوات الحشد الشعبي، مشيداً بدورها في حماية البلاد، في وقت تحاول فيه الحكومة الحفاظ على توازن دقيق بين واشنطن وطهران، وهو توازن أصبح أكثر صعوبة مع تصاعد الحرب في المنطقة.
هذا التوازن الهش يجعل العراق ساحة مفتوحة للصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتحول الأراضي العراقية في كثير من الأحيان إلى مسرح للرسائل العسكرية المتبادلة بين الطرفين.
تحذيرات أميركية وتصاعد الهجمات
في الوقت نفسه، أصدرت السفارة الأميركية في بغداد تحذيرات أمنية شديدة اللهجة، دعت فيها المواطنين الأميركيين إلى مغادرة العراق فوراً، بسبب تزايد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تستهدف المصالح الأميركية في بغداد وأربيل.
وشهدت المنطقة الدولية في بغداد، التي تضم السفارات الأجنبية، هجمات متكررة خلال الأيام الماضية، كما تعرض محيط مطار أربيل الدولي لهجمات مماثلة، في تصعيد يعكس اتساع رقعة المواجهة داخل العراق.
العراق على حافة الانفجار
يرى مراقبون أن أخطر ما في التطورات الأخيرة هو انتقال الصراع إلى داخل مؤسسات الدولة العراقية، لأن ذلك قد يؤدي إلى صدام داخلي بين الأجهزة الأمنية والفصائل المسلحة، وهو سيناريو قد يعيد العراق إلى مرحلة الفوضى الأمنية والصراع المسلح الداخلي.
كما أن استمرار الهجمات على المصالح الأميركية قد يدفع واشنطن إلى الرد عسكرياً داخل العراق، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد أكبر، خاصة إذا سقط قتلى أميركيون في هذه الهجمات.
صراع نفوذ إقليمي على الأرض العراقية
ما يحدث في بغداد اليوم يعكس حقيقة أن العراق لا يزال ساحة صراع نفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، وأن الحرب الدائرة في المنطقة بدأت تلقي بظلالها بشكل مباشر على الداخل العراقي.
فالميليشيات المدعومة من إيران تحاول الضغط لإخراج القوات الأميركية من العراق، بينما ترى واشنطن أن وجودها العسكري لا يزال ضرورياً لأسباب أمنية واستراتيجية.
وبين هذا وذاك، تجد الحكومة العراقية نفسها في موقف صعب، تحاول فيه تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع أي طرف، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في فرض سيطرة الدولة على السلاح داخل البلاد.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تشير التقديرات إلى أن العراق قد يشهد خلال الفترة المقبلة أحد ثلاثة سيناريوهات:
الأول، استمرار الهجمات دون الوصول إلى مواجهة شاملة، وهو سيناريو الاستنزاف المتبادل.
الثاني، تصعيد كبير إذا ردت الولايات المتحدة عسكرياً داخل العراق.
الثالث، احتواء التصعيد عبر تفاهمات سياسية غير معلنة بين واشنطن وطهران.
لكن في جميع الأحوال، يبدو أن العراق مقبل على مرحلة أمنية شديدة الحساسية، خاصة في ظل الحرب الدائرة في المنطقة، والتي قد تجعل من بغداد واحدة من أهم ساحات الصراع غير المباشر في الشرق الأوسط.












