في واقعة هي الأولى من نوعها في المواسم السينمائية الأخيرة، استيقظ جمهور السينما المصرية في ثالث أيام عيد الفطر المبارك على خبر صادم يتمثل في سحب فيلم “اعترافات سفاح التجمع” من كافة دور العرض، بعد أقل من 24 ساعة فقط على انطلاق عرضه الافتتاحي. هذا القرار المفاجئ لم يربك حسابات شباك التذاكر فحسب، بل فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات شائكة تتعلق بحدود الرقابة، وحرية الإبداع، والخط الفاصل بين الفن والواقع الجنائي.
دراما الواقع تطارد الشاشة
الفيلم، الذي كتبه وأخرجه محمد صلاح العزب، كان من أكثر الأعمال إثارة للفضول قبل طرحه، نظرا لارتباط عنوانه بقضية جنائية هزت الرأي العام المصري والعربي مؤخرا. وبينما كان الجمهور يترقب معالجة سينمائية لهذه الظاهرة المعقدة، جاء قرار “الرقابة على المصنفات الفنية” ليقطع الطريق أمام العمل، محولا إياه من مجرد “فيلم تشويق” إلى قضية رأي عام تتشابك فيها الأبعاد القانونية بالأخلاقية.
الرقابة تفجر المفاجأة: 3 مخالفات جسيمة
أمام تصاعد وتيرة الانتقادات من قبل صناع العمل والمدافعين عن حرية التعبير، لم تتأخر الرقابة في حسم الجدل ببيان رسمي مفصل، حددت فيه ثلاث ركائز أساسية استندت إليها في قرار السحب المؤقت:
الخروج عن النص المعتمد: كشفت الرقابة أن النسخة التي عرضت جماهيريا تضمنت مشاهد وعبارات لم تكن موجودة في السيناريو الأصلي الذي حصل على الموافقة المبدئية. واعتبرت اللجنة أن هذا “التحايل الفني” يخل بجوهر الترخيص الرقابي ويستوجب التدخل الفوري لحماية المشاهد من محتوى لم يتم فحصه.
أزمة “البرومو” غير المرخص: تمثلت المخالفة الثانية في نشر إعلان ترويجي مكثف على منصات التواصل الاجتماعي دون الحصول على تصريح. والمفارقة أن هذا الإعلان احتوى تحديدا على اللقطات الصادمة التي كانت الرقابة قد أمرت بحذفها مسبقا، مما اعتبرته الجهات الرسمية تحديا صريحا لقراراتها السيادية.
فخ “الأحداث الحقيقية”: العقدة الأكبر تمثلت في ملصق الفيلم (الأفيش) الذي حمل عبارة “مستوحى من أحداث حقيقية”. رأت الرقابة أن هذه الجملة تضع الفيلم في مأزق قانوني، إذ توحي بربط مباشر بقضية جنائية لا تزال منظورة أمام القضاء أو تحمل حساسيات أمنية واجتماعية بالغة، وهو ما قد يعرض الرقابة والشركة المنتجة لمساءلات قضائية من ذوي الأطراف الحقيقية في القضية.
سحب مؤقت أم وأد للإبداع؟
حاول بيان الرقابة طمأنة الوسط الفني بالتأكيد على أن الإجراء هو “سحب مؤقت للترخيص” وليس حظرا نهائيا، مشيرا إلى أن الفيلم سيعود للشاشات فور الالتزام بالحذوفات المطلوبة وتعديل المواد الدعائية. وأكد البيان أن الرقابة “تقدر قيمة الإبداع” لكنها تعمل بموجب دستور يحمي أيضا الثوابت الاجتماعية والالتزام القانوني.
من جانبه، يسود التوتر أروقة الشركة المنتجة، حيث يرى البعض أن توقيت السحب في ذروة موسم العيد يمثل “إعداما اقتصاديا” للفيلم، بينما يتساءل نقاد سينمائيون عن جدوى الرقابة في عصر “المنصات المفتوحة”، حيث يمكن للجمهور مشاهدة النسخة المسربة أو المحذوفة بضغطة زر، مما يجعل القيود الرقابية التقليدية تبدو وكأنها تحارب طواحين الهواء.
توتر قديم يتجدد
تعيد أزمة “سفاح التجمع” إلى الأذهان تاريخا طويلا من الصدامات الشهيرة في السينما المصرية، من “لاشين” في الثلاثينيات وصولا إلى “خمسة باب” و”المهاجر”. وتكشف هذه الواقعة عن فجوة لا تزال قائمة بين طموح المبدع في ملامسة الواقع بجرأة، وبين حذر الرقيب الذي يرى في هذه الجرأة خطرا على “السلم المجتمعي”.
ومع اختفاء الفيلم من الشاشات، يبقى السؤال المعلق: هل سيعود “السفاف” بنسخة “مهذبة” ترضي الرقيب وتفقد العمل بريقه الفني؟ أم أن صناع الفيلم سيخوضون معركة قضائية لاستعادة “اعترافاتهم” كاملة؟ الكلمة الأخيرة قد لا تكون للجمهور هذه المرة، بل لردهات المحاكم ولجان المراجعة الفنية.










