في تصعيد خطير يرفع المواجهة بين طهران وواشنطن إلى مستويات غير مسبوقة، أطلق الجيش الإيراني اليوم الأحد تهديدا صريحا باستهداف محطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة التابعة للولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج، ردا مباشرا على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي هدد بـ”تدمير” محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، مهلة تنتهي صباح الغد بتوقيت غرينتش.
إيران تتوعد ترامب بـ”تدمير لا رجعة فيه” لأمن الطاقة ودول الخليج
وجاء التهديد الإيراني عبر بيان رسمي صادر عن القيادة العملياتية “خاتم الأنبياء”، نقلته وكالة فارس الإيرانية ووكالة رويترز، جاء فيه: “إذا تم انتهاك بنية الوقود والطاقة الإيرانية، فإن جميع بنى الطاقة والمعلوماتية وتحلية المياه التابعة للولايات المتحدة والنظام في المنطقة ستستهدف.”
وهو تحذير يطال صراحة دولا خليجية من بينها البحرين والكويت والإمارات وقطر وعمان والمملكة العربية السعودية.
نتنياهو يدعو لتحالف دولي ضد إيران “حان وقت إسقاط النظام”
كيف وصلنا إلى هنا؟
لا يمكن فهم حجم هذا التهديد بمعزل عن السياق المتصاعد الذي أفرزه.
ومنذ اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير 2026، دخلت المنطقة في دوامة تصعيد متسارعة شملت إغلاقا جزئيا لمضيق هرمز، وهجمات صاروخية متبادلة، وتهديدات متنامية باستهداف البنى التحتية المدنية.
وفي السابع من مارس، اتهمت إيران الولايات المتحدة بضرب محطة تحلية مياه على جزيرة قشم، مما أثر على إمدادات المياه لثلاثين قرية.
48 ساعة أو الدمار.. ترامب يوجه إنذارا نهائيا لإيران بشأن مضيق هرمز
وبعد يوم واحد فقط، وقعت أضرار في محطة تحلية بالبحرين في ما وصفته مصادر إيرانية بعملية انتقامية، فيما تعرضت محطة الدوحة الغربية في الكويت ومحطتا فجيرة وجبل علي في الإمارات لأضرار جانبية جراء صواريخ أو حطام طائرات مسيرة.
وقد جاءت تصريحات ترامب الأخيرة بمثابة رفع للرهان إلى حد غير مسبوق، إذ ربط لأول مرة فتح مضيق هرمز بتهديد مباشر بتدمير البنية التحتية الإيرانية، فكان الرد الإيراني على المستوى ذاته من الصراحة والحدة.
البحرين والكويت: الأكثر عرضة للخطر
لا تتساوى دول الخليج في هشاشتها أمام هذا التهديد، والبحرين والكويت تقعان في قلب المشهد الأشد خطورة.
البحرين تعتمد على محطات التحلية لتأمين ما يتراوح بين 85 و90 بالمئة من مياه الشرب لسكانها. وفي ظل هذه النسبة الحرجة، فإن أي ضربة مباشرة لمحطاتها الرئيسية ستفضي إلى نقص حاد وسريع في المياه يطال ملايين السكان، مع مخاطر جسيمة تشمل تفشي الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، وموجات نزوح داخلي لا يمكن استيعابها بسهولة.
الكويت بدورها تعتمد على التحلية لتأمين نحو 90 بالمئة من احتياجاتها المائية، وتزيد هشاشتها عن البحرين بفعل تركز منشآتها الرئيسية في نقاط محدودة، مما يعني أن إصابة عدد قليل من المحطات كافية لشل منظومة المياه بأكملها في غضون أيام معدودة لا أسابيع.
والمعطى الجيوسياسي يضاعف القلق: كلتا الدولتين تقعان على مسافة قريبة جدا من الشواطئ الإيرانية، وترتبطان بوجود عسكري أمريكي كثيف، مما يجعلهما في نظر طهران أهدافا رمزية وعملياتية في آن واحد.
أرقام تكشف هول الكارثة المحتملة
تمتلك منطقة الخليج ما يزيد على أربعمئة محطة لتحلية المياه، تنتج نحو أربعين بالمئة من إجمالي المياه المحلاة في العالم.
والمعطى الأشد قلقا هو أن 56 محطة فقط من هذه المنشآت تغطي ما يتجاوز تسعين بالمئة من الطاقة الإنتاجية الإجمالية، وهي تركز هائل يجعل البنية التحتية المائية الخليجية بالغة الهشاشة أمام أي استهداف منظم.
ويضاف إلى ذلك عامل القرب الجغرافي من إيران؛ إذ تقع معظم هذه المحطات على السواحل المطلة على الخليج، ضمن نطاق فعال للصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة التي أثبتت في السنوات الأخيرة قدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة بدقة متصاعدة.
تحذيرات الخبراء: “كارثة إنسانية” على الأبواب
لم تتأخر مراكز الدراسات والمنظمات الدولية في إطلاق صيحات التحذير.
خبراء من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) والمجلس الأطلسي حذروا من أن استهداف منشآت تحلية المياه يمثل “تصعيدا خطيرا” يتجاوز حدود المنطق العسكري التقليدي، لأنه يحول الحرب إلى أداة إبادة جماعية صامتة بالعطش والمرض.
وفي هذا الإطار، يستحضر فقهاء القانون الدولي مواد اتفاقيات جنيف التي تحظر صراحة استهداف البنى التحتية الضرورية لبقاء السكان المدنيين، ومنها مرافق المياه والغذاء. وتصنيف مثل هذه الضربات بوصفها انتهاكا صريحا للقانون الدولي الإنساني يفتح باب المساءلة القانونية الدولية أمام مرتكبيها.
المشهد الدولي: ساعات حرجة
مع اقتراب انتهاء المهلة الأمريكية، تتصاعد المساعي الدبلوماسية الدولية في أكثر من عاصمة، ومصادر في مجلس الأمن أشارت إلى اجتماعات طارئة تعقد على مدار الساعة، فيما تتمسك كل من واشنطن وطهران بمواقفهما الصلبة في خطاب علني لا يبشر بانفراج وشيك.
ويعيش سكان دول الخليج حالة من الترقب القلق، إذ تحولت أسئلة اعتادوا أن تكون بعيدة عن تفكيرهم، كأسئلة المياه والكهرباء والإمدادات الأساسية، إلى هاجس يومي حاضر في كل بيت.
خاتمة: رهان خطير على حافة الهاوية
ما يجري ليس مجرد تبادل تهديدات دبلوماسية. إنه رهان متبادل على شفا هاوية، تقف على حافتها حياة ملايين المدنيين الذين لم يختاروا هذه المواجهة ولا يملكون القدرة على صرفها. وإذا أفضت ساعات الغد إلى تنفيذ أي من التهديدات المتبادلة، فإن المنطقة ستدخل مرحلة من التداعيات الإنسانية لا يمكن التنبؤ بمداها ولا بسرعة احتوائها.










