تتصدر منصات التواصل الاجتماعي وموقع “إكس” (تويتر سابقا)، منذ مطلع عام 2026، موجة من الادعاءات المثيرة التي تزعم قيام شركة “توتال إنرجيز” (TotalEnergies) الفرنسية ببيع استثماراتها وأصولها في قطاع الطاقة الجزائري لصالح جهات إسرائيلية. وتحدثت الشائعات عن صفقة “تحت الطاولة” تقدر قيمتها بنحو 30 مليار دولار، جرت بوساطة أطراف إقليمية.
ماذا تقول الشائعة؟ كواليس “الصفقة الوهمية”
بدأ انتشار هذه الادعاءات بشكل مكثف خلال شهر مارس 2026، حيث زعمت منشورات مجهولة المصدر أن العملاق الفرنسي قرر التخلي عن حصصه في حقول الغاز والنفط الجزائرية لصالح شركات إسرائيلية.
وذهبت بعض الروايات إلى أبعد من ذلك، مدعية أن الصفقة تمت عبر وسطاء دوليين لتجنب الصدام الدبلوماسي مع الجزائر، التي تتبنى موقفا مبدئيا ثابتا برفض التطبيع أو أي علاقات رسمية مع إسرائيل.
الغريب في هذه المنشورات أنها لم ترفق بأي مستند رسمي، أو تصريح من سوق الأوراق المالية، أو حتى إشارة من وكالات الأنباء العالمية الكبرى، بل اعتمدت على “نمط التدوير الذاتي”، حيث ينقل موقع هامشي عن منشور على فيسبوك، ثم يعود المنشور ليستشهد بالموقع كدليل “إخباري” موثق.
الحقائق الموثقة: توسع لا انسحاب
عند العودة إلى سجلات شركة “سوناطراك” الجزائرية والتقارير السنوية لشركة “توتال إنرجيز”، تظهر الحقائق التالية التي تدحض الشائعة من جذورها:
شراكات استراتيجية جديدة: في أبريل 2024، وقعت “توتال إنرجيز” مذكرة تفاهم ضخمة مع “سوناطراك” لإبرام عقد هيدروكربوني جديد في منطقة شمال شرق تيميمون.
هذا الاتفاق لا يقتصر على الإنتاج الحالي، بل يشمل تمديد التعاون في مجال الغاز الطبيعي المسال (LNG)، مما يعكس رغبة الشركة الفرنسية في تعميق جذورها الاستثمارية في الجزائر وليس التخارج منها.
أرقام الإنتاج: سجلت الشركة إنتاجا مستقرا ومتناميا في الجزائر خلال عام 2023 وما تبعه، حيث بلغ متوسط الإنتاج نحو 51 ألف برميل مكافئ نفط يوميا من حصتها في حقول “تين فوي تبنكورت” و”تيميمون” وحوض “بركين”. ومن غير المنطقي اقتصاديا أن تتخلى شركة عن أصول منتجة ومربحة في ظل أزمة طاقة عالمية.
غياب الإفصاح المالي: وفقا لقوانين البورصة الفرنسية والدولية، يتوجب على أي شركة مدرجة الإفصاح عن أي صفقة ببيع أصول تتجاوز قيمتها مبالغ معينة، وبما أن الحديث يدور عن “30 مليار دولار”، فإن الصمت المطبق من الجهات الرقابية المالية يؤكد أن الصفقة لا وجود لها إلا في الفضاء الافتراضي.
لماذا تنتشر مثل هذه الشائعات في 2026؟
يرى المحللون في “المنشر الإخباري” أن توقيت هذه الشائعات يرتبط بجملة من العوامل الجيوسياسية الحساسة، حرب إيران، مما يخلق بيئة خصبة لتقبل “نظريات المؤامرة” التي تربط التحركات الاقتصادية بالأجندات السياسية الخفية.
الحساسية السياسية الجزائرية حيث تدرك الأطراف التي تصنع هذه الشائعات أن أي ذكر لـ “إسرائيل” في السياق الجزائري يثير عواطف قوية ويضمن انتشارا سريعا للمعلومة دون تمحيص، نظرا للموقف الشعبي والرسمي الرافض تماما لأي تعامل مع الجانب الإسرائيلي.
الخلط بين الصادرات والأصول، فقد تعتمد الشائعة على تقارير قديمة تحدثت عن وصول شحنات غاز جزائرية لإسرائيل عبر وسطاء دوليين مثل شركة “Vitol”.
وهنا يجب التمييز قانونيا بين “تجارة الغاز” في الأسواق الحرة التي قد تمر عبر وسطاء، وبين “بيع الأصول والملكية”؛ فالثانية تعني نقل ملكية حقول تقع على الأرض الجزائرية، وهو أمر يستحيل قانونا وسياسيا دون موافقة ومشاركة الدولة الجزائرية عبر “سوناطراك”.
لا توجد أي صفقة بيع بين “توتال إنرجيز” وإسرائيل، لا سرية ولا علنية. والواقع يؤكد أن الشركة الفرنسية تعمل على تمديد عقودها مع الدولة الجزائرية لسنوات قادمة. إن انتشار مثل هذه الأخبار المضللة يهدف غالبا إلى تغذية الاحتقان الشعبي أو ضرب استقرار الشراكات الاقتصادية الدولية.










