سجل الدولار الأمريكي ارتفاعاً قوياً اليوم الإثنين مع تراجع شهية المخاطرة وتصاعد تهديدات الحرب في الشرق الأوسط، وسط تحذيرات من أزمة طاقة عالمية تفوق صدمة السبعينات.
نيويورك/لندن – وكالات
سجلت العملة الأمريكية قفزة قوية في تداولات اليوم الاثنين، مدفوعة بموجة عارمة من الهروب نحو “الملاذات الآمنة”، وذلك مع دخول الصراع في منطقة الشرق الأوسط منعطفا كارثيا يهدد إمدادات الطاقة العالمية. فبينما تتصاعد حدة التهديدات العسكرية، تراجعت شهية المخاطرة لدى المستثمرين بشكل حاد، مما وضع الدولار في صدارة المشهد المالي العالمي كأداة التحوط الوحيدة الموثوقة في ظل ضبابية المشهد الجيوسياسي.
تهديدات ترامب وأزمة طاقة “تاريخية”
تضاءلت الآمال الدولية في التوصل إلى تهدئة أو إنهاء للأعمال القتالية مع مطلع الأسبوع، خاصة بعد التصريحات النارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مهددا باستهداف مباشر لشبكة الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران.
هذه التهديدات لم تزد من وتيرة التصعيد العسكري فحسب، بل أشعلت مخاوف اقتصادية وجودية، حيث صرح رئيس وكالة الطاقة الدولية بأن الأزمة الحالية باتت “أسوأ من صدمتي النفط في السبعينات مجتمعتين”، في إشارة إلى عمق الاضطراب الذي يواجه سلاسل توريد الطاقة وحجم الضغوط التضخمية التي ستعصف بالاقتصاد العالمي.
مؤشر الدولار يكسر حواجز المقاومة
في تعاملات شرق آسيا والأسواق الأوروبية، صعد مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الخضراء مقابل سلة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.29% ليصل إلى 99.83 نقطة، مقتربا من حاجز الـ 100 نقطة الاستراتيجي.
الارتفاع جاء بعد أن أغلق المؤشر يوم الجمعة الماضي على أول انخفاض أسبوعي له منذ اندلاع الحرب، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت الزخم للعملة الأمريكية بقوة، حيث دفعت الآثار التضخمية لارتفاع أسعار النفط البنوك المركزية إلى تبني مواقف أكثر تشددا حيال السياسة النقدية.
نزيف العملات الرئيسية: اليورو والين والجنيه الإسترليني
في المقابل، عانت العملات الرئيسية الأخرى من ضغوط بيع مكثفة. فقد تراجع اليورو بنسبة 0.38% ليصل إلى 1.1526 دولار، متأثرا بمخاوف ركود اقتصادي في القارة العجوز نتيجة ارتهانها لأسعار الطاقة المرتفعة. كما فقد الجنيه الإسترليني 0.37% من قيمته ليتداول عند 1.329 دولار.
أما الين الياباني، فقد خسر 0.22% ليتراجع نحو المستوى الحرج البالغ 159.55 مقابل الدولار. ومع اقتراب الين مجددا من حاجز الـ 160، أطلق كبير مسؤولي شؤون النقد الأجنبي في اليابان، أتسوشي ميمورا، تحذيرا شديدا من “امتداد أنشطة المضاربة المحمومة في أسواق النفط إلى سوق الصرف الأجنبي”، في إشارة إلى احتمالية تدخل السلطات اليابانية لدعم عملتها المنهارة.
آراء المحللين: صراع طويل وأمد أطول للدولار
يقول رودريجو كاتريل، محلل العملات في بنك أستراليا الوطني: “نرى اليورو والين يعانيان بشكل واضح، وإذا ثبت أن هذا الصراع طويل الأمد كما تشير المعطيات الحالية، فمن المتوقع أن تستمر هذه العملات في النزيف لفترة أطول”.
ويرى المحللون أن ارتفاع أسعار الطاقة يفرض على البنوك المركزية تحولا نحو سياسات انكماشية قاسية لمحاربة التضخم المستورد، وهو ما يعزز قوة الدولار كأصل ملاذ آمن يدر عائدا مرتفعا في الوقت نفسه.
من جانبه، كتب جوزيف كابورسو، رئيس قطاع الاقتصاد الدولي في بنك الكومنولث الأسترالي، في مذكرة للعملاء: “نعتقد أنه بمجرد توقع الأسواق لدورة تشديد نقدي جديدة ومطولة في الولايات المتحدة، فإن الدولار سيرتفع بقوة مقابل جميع العملات دون استثناء”.
وحذر من أن العملات المرتبطة بالنمو، مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي، ستكون الضحية الأكبر في حالة حدوث تخفيض لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي، وهو ما حدث بالفعل مع نزول الدولار الأسترالي بنسبة 0.95% إلى 0.6956 دولار، وتراجع النيوزيلندي بنسبة 0.7% إلى 0.5793 دولار.
الأصول البديلة: العملات المشفرة تغرد خارج السرب
وعلى عكس العملات التقليدية، أظهرت العملات المشفرة مرونة ملحوظة؛ حيث صعدت بتكوين بنسبة 0.76% لتتداول فوق مستويات 68704 دولار، بينما ارتفعت “إيثر” بنسبة 0.16% لتصل إلى 2061.87 دولار.
ويرى بعض المستثمرين في العملات الرقمية ملاذا “رقميا” بعيدا عن النظام المالي التقليدي المتأثر بالصراعات الجيوسياسية المباشرة، رغم استمرار حالة التذبذب العالية.
الخلاصة: العالم يترقب 48 ساعة حاسمة
تتجه الأنظار الآن نحو المهلة الزمنية التي حددتها الإدارة الأمريكية، حيث يرى الخبراء أن قوة الدولار الحالية ليست سوى انعكاس للقلق العالمي من تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.
فإذا استمر التوتر، فإن العالم قد يواجه حقبة من “الدولار القوي جدا” الذي قد يؤدي إلى أزمات ديون في الأسواق الناشئة ويزيد من كلفة الواردات، مما يضع الاقتصاد العالمي في اختبار هو الأصعب منذ عقود، متجاوزا في تعقيداته الأزمات النفطية التاريخية التي شهدها القرن الماضي.










