في غضون ساعات قليلة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة من الصراع الرقمي المحتدم، عقب انتشار موجة عارمة من الأنباء التي تزعم وقوع “اضطرابات أمنية واسعة” واشتباكات مسلحة داخل أروقة أحد القصور الملكية بالعاصمة السعودية، الرياض.
الادعاءات، التي اتخذت طابعا دراميا، ذهبت إلى حد الحديث عن “محاولة انقلاب عسكري” تهدف للإطاحة بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تحرك قيل إن من يقوده شخصية غامضة تدعى “مبارك بن نواف الدياسي آل سعود”.
سيناريوهات الـ “سوشيال ميديا”: صراع الأجنحة المزعوم
لم تكتف المنشورات المتداولة بالحديث عن اشتباكات، بل رسمت خارطة معقدة لما وصفته بـ “التحرك العملي” لضباط كبار في الحرس الوطني، مدعية وجود قنوات اتصال سرية بين أمراء معارضين لسياسات ولي العهد، وعلى رأسهم الأمير أحمد بن عبد العزيز، والأميرين متعب بن عبد الله ومحمد بن نايف.
وتحدثت تقارير إعلامية، نسبت لجهات معارضة، عن مواجهة وشيكة بين ولي العهد، الذي تصفه بأنه “يتحصن بدعم واشنطن وقوات الحرس الملكي”، وبين ألوية من الحرس الوطني في الرياض والمنطقة الشرقية وجدة.
ومع ذلك، فإن هذه التقارير ذاتها حملت تناقضات، حيث أشارت إلى أن هذه الوحدات “لا تمتلك القوة الكافية لتنفيذ تحرك منفرد”، وأن قوات الحرس المرابطة في الجنوب لا يمكنها العودة للرياض، مما يضع علامات استفهام كبرى حول المنطق العسكري لهذه الادعاءات.
التاريخ يعيد نفسه: من “الغارديان” إلى “ديفيد هيرست”
ليست هذه هي المرة الأولى التي تهتز فيها الأوساط الرقمية بأنباء من هذا النوع. فبالعودة إلى مارس 2019، فجرت صحيفة “الغارديان” البريطانية قنبلة إعلامية عندما كشفت عما وصفته بـ “خلافات حادة” بين الملك سلمان ونجله خلال زيارة الملك لمصر.
حينها، زعمت الصحيفة أن الملك استبدل فريقه الأمني المكون من 30 عنصرا بآخرين من وزارة الداخلية خوفا من موالاة الفريق الأصلي لولي العهد.
كما أشارت تقارير سابقة للكاتب البريطاني ديفيد هيرست، وصف فيها القرارات الملكية بأنها “انقلاب ناعم داخل القصر”، معتبرا أن إزاحة أسماء ثقيلة مثل الأمير محمد بن نايف وتصعيد الأمير خالد بن سلمان لمنصب نائب وزير الدفاع كانت خطوات تمهيدية لتنصيب محمد بن سلمان ملكا، متجاوزا بذلك التوازنات التقليدية داخل الأسرة.
رغم الكثافة العددية للمنشورات، إلا أن الفحص الدقيق يكشف غيابا تاما للمصادر الرسمية أو الوكالات الدولية الموثوقة (رويترز، أسوشيتد برس، واس).
فالعاصمة الرياض تعيش حالة من الهدوء المعتاد، ولم يرصد أي تحرك غير طبيعي لآليات عسكرية أو إغلاق للميادين.
ويمكن تفنيد هذه الموجة عبر النقاط التالية:
غموض القائد المزعوم: اسم “مبارك بن نواف الدياسي آل سعود” لا وجود له في السجلات السياسية أو العائلية البارزة لآل سعود، مما يشير إلى أنه اسم “وهمي” صنع لغرض التضليل.
التكرار الرقمي: تعتمد الحملة على نصوص “نسخ ولصق” (Copy-Paste) من حسابات مجهولة، مع إرفاق مقاطع فيديو قديمة لتدريبات عسكرية أو زحام مروري ليلى لا علاقة له بالحدث.
توقيت التوتر الإقليمي: غالبا ما تنشط هذه الشائعات في أوقات الأزمات الإقليمية لزعزعة الاستقرار النفسي وإثارة البلبلة في الشارع السعودي.
القوة الناعمة والحرب النفسية
يرى خبراء في الأمن السيبراني أن ما يحدث هو فصل جديد من “الحرب النفسية” التي تستهدف المملكة. فالسعودية، التي تمر بمرحلة تحول جذري عبر “رؤية 2030″، تمثل مادة دسمة للمواقع المعارضة والجهات التي تسعى لضرب صورتها الاستثمارية والأمنية.
إن غياب الرد الرسمي السعودي الفوري على مثل هذه “الترهات” يفسره البعض بأنه استراتيجية تهدف لعدم إعطاء الشائعة حجما أكبر من حجمها، بينما يراه آخرون صمتا يفتح الباب للتكهنات. لكن الحقيقة الماثلة على الأرض تظل هي الحكم؛ فالرياض مستمرة في جدول أعمالها السياسي والدبلوماسي المعتاد، مما يرجح كفة أن “انقلاب السوشيال ميديا” لم يكن سوى فقاعة رقمية أخرى.










