وسط الأسبوع الرابع للحرب الشاملة، تتواصل التجمعات الشعبية في المدن الإيرانية، مع هتافات تجمع بين الولاء الوطني والديني، في رسالة واضحة بأن الشارع سيكون مع النظام بينما القوات المسلحة تتولى القتال
طهران – المنشر الإخباري
مع دخول الحرب الشاملة أسبوعها الرابع، تشهد المدن الإيرانية من طهران إلى مشهد، ومن الأهواز إلى زاهدان، نشاطاً شعبياً لافتاً، يعكس رفض السكان التوجه إلى الملاجئ التقليدية، واختيارهم البقاء في الشوارع لدعم القوات المسلحة ورفع الروح الوطنية. تقرير صحيفة طهران تايمز، الصحيفة الرسمية للنظام منذ الثورة الإسلامية عام 1979، يؤكد أن هذه التحركات تتجاوز مجرد تجمعات احتجاجية، لتصبح جزءاً من الاستراتيجية الوطنية الإيرانية، حيث يسهم الشعب في تعزيز التماسك الداخلي وتخفيف الضغط على الجيش أثناء العمليات العسكرية.
تنتشر هذه التجمعات في مختلف أنحاء البلاد، وتشمل مناطق شمالية مثل ساري وبابل، ومدن شمالية غربية مثل تبريز، إضافة إلى المدن الجنوبية مثل الأهواز وزاهدان. في كل هذه المواقع، يظهر حضور منسق بين الشباب والكبار، رجالاً ونساءً، يعكس مزيجاً من الالتزام الديني والواجب الوطني والحزن على المدنيين الذين سقطوا نتيجة الغارات الجوية الأخيرة. كما يظهر التزام كبير بالعادات الثقافية المحلية، ففي بعض المدن ترافق المسيرات الموسيقى التقليدية، في حين تستمر في مناطق أخرى رغم الأمطار الغزيرة، ما يعكس إصرار المواطنين على التعبير عن دعمهم للنظام والقوات المسلحة.
وفي خطوة رمزية قوية، تُعرض صور المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وقادة عسكريون استشهدوا خلال الغارات الأميركية والإسرائيلية، على واجهات الشوارع والساحات العامة، في محاولة لإظهار الاستمرارية في القيادة الوطنية وتعزيز الشعور بالوحدة بين المدنيين والقوات المسلحة. وتؤكد هذه الرموز على أن الشعب لن يتخلى عن دعم المؤسسة العسكرية مهما بلغت التحديات، وأن التضامن الشعبي جزء لا يتجزأ من الدفاع عن سيادة البلاد.
تصريحات قادة النظام تعكس استراتيجية واضحة لتقسيم الأدوار بين المدنيين والجيش؛ فقد شدد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على أهمية الشارع باعتباره “ساحة مركزية للتفاعل الشعبي”، مضيفاً أن “هناك ثلاث أولويات للجمهور: الشارع، الشارع، الشارع”. وكرر قادة آخرون من المؤسسة العسكرية نفس الرؤية، موضحين أن استمرار حضور المدنيين في الساحات يتيح للقوات المسلحة التركيز على العمليات العسكرية ضد التهديدات الخارجية دون القلق من أي اضطرابات داخلية.
الجانب الشعبي للمسيرات يدمج بين الحماس الوطني والإيمان الديني؛ إذ يرى المشاركون أن تواجدهم في الشارع هو واجب ديني وطني، وأن التضحيات المدنية جزء من حماية البلد. في مقابلات أجرتها طهران تايمز، صرحت أم حضرت المظاهرات مع أطفالها أنها تريد أن يفهم أطفالها أن “التضحية من أجل الوطن هي أعظم شرف”، مؤكدة أنها لا تشعر بأي خوف من اصطحاب أطفالها إلى مثل هذه الأجواء، التي تعتبرها فرصة لغرس قيم الوطنية والشجاعة في الجيل الجديد.
كما أبدى المشاركون من البالغين، مثل رجل يبلغ 55 عاماً، موقفاً يوازن بين الإيمان الشخصي والاعتبارات الاستراتيجية، موضحاً أن تواجد المدنيين في الشوارع يتيح للقوات المسلحة التركيز على التهديدات الخارجية، قائلاً: “نحن نحمي الشوارع، لذا يمكنكم الذهاب والقتال دون قلق”. وفي المقابل، عبّر الشباب عن حماسهم الوطني، مؤكدين على القدرة العسكرية لإيران، وتحذير الأعداء من الاستهانة بالقوة الوطنية، في تعبير عن فخر وطني وحس استراتيجي متقدم.
الهتافات التي تردد في هذه التجمعات الشعبية تمزج بين البعد الديني والسياسي والوطنية. ومن أبرزها: “حسين، حسين شعارنا؛ الشهادة شرفنا”، و”الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، إضافة إلى دعوات للولاء للمرشد الأعلى والحفاظ على العلم الوطني، مثل: “نقسم بتلك القبضات المشدودة أن هذا العلم لن يسقط على الأرض أبداً”. وتدل هذه الهتافات على أن المدنيين يرون في التواجد الجماعي في الشارع تعبيراً عن مقاومة النفوذ الأجنبي وحماية سيادة الدولة.
تأتي هذه التحركات الشعبية في ظل استمرار الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية، حيث تشير التقارير إلى سقوط المدنيين، بما في ذلك الأطفال، في مناطق متفرقة. ويرى المراقبون أن استمرار الشعب في النزول إلى الشوارع، رغم هذه المخاطر، يعكس رسالة واضحة: الشعب الإيراني لن يكون مجرد جمهور متفرج، بل شريك معنوي في الجهود الدفاعية، ما يزيد من صعوبة استغلال أي احتجاجات داخلية من قبل القوى الأجنبية لتحقيق أهدافها.
في الوقت نفسه، تعكس هذه التجمعات بُعداً نفسياً مهماً؛ فهي ترفع الروح المعنوية للقوات المسلحة وتؤكد قدرة النظام على الحفاظ على وحدة الصف الداخلي، رغم الضغوط الخارجية والتحديات العسكرية. وبحسب المتحدثين، فإن التجمعات تمثل أيضاً وسيلة لضمان عدم قدرة الأعداء على الاعتماد على الاضطرابات الداخلية كأداة للضغط على القيادة السياسية والعسكرية في طهران.
كما أظهرت مقابلات أخرى مع المشاركين أن هذه الحشود لا ترتبط بفرض معايير اجتماعية صارمة، بل تهدف بشكل أساسي إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية، وتأمين الدعم اللازم للقوات المسلحة أثناء العمليات العسكرية، مما يجعلها جزءاً من استراتيجية الدفاع الشاملة. وأكد أحد الحاضرين أن “المظاهرات هي درع معنوي للقوات المسلحة، ودعمها للشعب يعني تعزيز القدرة القتالية الوطنية”، في رسالة مباشرة لكل من الداخل والخارج.
ومن السمات الملفتة أن هذه التجمعات تستمر ليلة بعد ليلة، وهي في تطور مستمر لتصبح تعبيراً جماعياً عن البطولة الوطنية، مستندة إلى مزيج من القيم الدينية، الواجب الوطني، والفخر بالقدرات العسكرية الإيرانية، الأمر الذي يبرز كوجه آخر للصراع الإيراني الأميركي الإسرائيلي، حيث تصبح المعركة ليست فقط على الأرض أو في السماء، بل أيضاً على مستوى التعبئة الشعبية والروح الوطنية.
ويشير المحللون إلى أن استمرار الشعب في الشوارع، رغم التهديدات، يعكس استراتيجية طويلة المدى للنظام، تهدف إلى تعزيز التضامن الداخلي وخلق نوع من التوازن بين الضغط العسكري الخارجي والدعم الشعبي، ما يجعل أي محاولات لتقويض النظام من الخارج أكثر صعوبة. ويعتبر هذا النموذج مثالاً على كيفية دمج الجبهة الشعبية مع القوة العسكرية في استراتيجية الدفاع الحديثة، حيث يكون الشارع جزءاً من منظومة الردع الوطنية.
ختاماً، يمكن القول إن التجربة الإيرانية الحالية تمثل مزيجاً فريداً بين التعبئة الشعبية والدعم العسكري، وتعكس مدى التفاعل بين الثقافة الوطنية والإيمان الديني والواجب الوطني، في مواجهة تهديدات خارجية مباشرة. إذ أصبح من الواضح أن الشارع الإيراني ليس مكاناً للاختباء، بل ساحة لتعزيز القوة المعنوية للقوات المسلحة، والحفاظ على استقرار الدولة وسط حرب شاملة على أراضيها.










