كابول/ إسلام آباد – شهدت الساحة الأفغانية تصعيدا عسكريا خطيرا ليلة الثلاثاء، حيث شنت الطائرات الباكستانية غارة جوية استهدفت منطقة “دهدادي” في ولاية بلخ الشمالية، مما أعلن عمليا انتهاء وقف إطلاق النار القصير الذي صبغ أيام عيد الفطر بهدوء حذر.
الهجوم الباكستاني على بلخ يأتي ضمن عملية “غزوة الحق” التي أطلقتها إسلام آباد قبل نحو شهر، ليزيد من تعقيد المشهد الدبلوماسي والأمني بين الجارين اللدودين.
تنديد “شرعي” من كابول وفاجعة “أوميد”
في رد فعل سريع، خرج عبد الحكيم شريعة، وزير العدل في حكومة طالبان، بتصريحات حادة خلال اجتماعه مع قوات حرس الحدود في منطقة “خوست”، مؤكدا أن الهجمات الباكستانية على الأراضي الأفغانية “تفتقر لأي مبرر ديني أو أخلاقي”، ومشيرا إلى أن حتى بعض العلماء في باكستان وصفوا هذه الأعمال بأنها غير إسلامية.
وتزامن هذا التصعيد مع إعلان وزارة الصحة التابعة لطالبان عن وفاة اثنين من المصابين في الهجوم الباكستاني السابق الذي استهدف عيادة “أوميد” لعلاج الإدمان في كابول.
من جهتها، أكدت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة في أفغانستان (يوناما) مقتل 143 شخصا في تلك المجزرة، بينما أشارت مصادر دبلوماسية لـ “أفغانستان إنترناشونال” إلى أن الحصيلة النهائية قد تصل للمئات بعد إصابة المبنى الرئيسي للعيادة بقنابل ثقيلة.
صراع الفتاوى والعمليات العسكرية
على المقلب الآخر، تتبنى إسلام آباد رواية مغايرة تماما؛ حيث صرح رئيس مجلس علماء باكستان بأن الحرب ضد طالبان في المناطق الحدودية هي “حرب جهادية” تهدف لاستئصال شأفة الإرهاب، متهما الحركة بإيواء “طالبان باكستان” (TTP).
وفي اليوم الوطني الباكستاني، ذهب الرئيس الباكستاني إلى أبعد من ذلك مهددا بـ “القضاء التام” على الحركة.
هذه التهديدات قوبلت برد متحد من زعيم طالبان خلال صلاة العيد في قندهار، حيث قال دون تسمية باكستان: “لا يمكن تدميرنا بالمدافع والطائرات، لو كان ذلك ممكنا، لكانت أمريكا والاتحاد السوفيتي قد فعلوا ذلك قبلك”، في إشارة واضحة إلى صمود الحركة أمام القوى العظمى تاريخيا.
أصوات السلام المحاصرة بالدخان
وسط هذا الضجيج العسكري، برزت أصوات باكستانية تنادي بالتعقل؛ حيث دعا خواجة سعد رفيق، وزير السكك الحديدية السابق، والسيناتور السابق مشتاق أحمد خان، إلى ضرورة تمديد وقف إطلاق النار الذي بدأ في العيد.
وكتب خان عبر منصة (X) أن “أمن باكستان وأفغانستان مترابط”، داعيا الطرفين لتبني نهج واقعي وصادق يتجاوز لغة الرصاص.
إحصائيا، تظهر الأرقام الأممية حجم المأساة؛ فبعيدا عن حادثة عيادة “أوميد”، قتل 76 مدنيا أفغانيا وأصيب 213 آخرون في الفترة ما بين 8 و15 مارس فقط. ومع استمرار غارات “دهدادي” ببلخ، يبدو أن إسلام آباد متمسكة باستراتيجية “الأرض المحروقة” ضد ما تسميه مواقع المسلحين، بينما تصر كابول على أن البنية التحتية المدنية هي الضحية الوحيدة.
تبقى التساؤلات قائمة حول قدرة القنوات الدبلوماسية على احتواء “كرة الثلج” المتدحرجة، في ظل إغلاق مضيق الحوار واتساع فجوة الدماء بين الطرفين، مما ينذر بصيف ساخن قد يحول الحدود المشتركة إلى ساحة حرب شاملة لا تبقي ولا تذر.










