تعيين الجنرال محمد باقر ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بمرسوم رئاسي من الرئيس مسعود بزشكيان وموافقة المرشد مجتبى خامنئي، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في بنية القرار الأمني الإيراني.
طهران_ المنشر الاخباري: 24 مارس 2026
في خطوة تحمل دلالات عميقة على تحول جذري في بنية هرم السلطة الأمنية الإيرانية، أعلنت السلطات في طهران عن تعيين الجنرال المخضرم محمد باقر ذو القدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني خلفا لعلي لاريجاني.
تعيين محمد باقر ذو القدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي جاء بمرسوم من الرئيس مسعود بزشكيان وبمباركة صريحة ومباشرة من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتسم بـ “العسكرة الاستراتيجية” للملفات الدبلوماسية والأمنية الحساسة.
مرسوم رئاسي بختم “الولاية”
كشف مهدي طباطبائي، في بيان رسمي، أن اختيار ذو القدر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل جاء بناء على رأي وموافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. ويعد ذكر اسم مجتبى خامنئيقبل المرسوم الرئاسي إيماءة سياسية بالغة الأهمية في البروتوكول الإيراني،
وتشير مصادر إيرانية أن التعيين يقع في قلب “دائرة الثقة الضيقة” للمرشد، وأن المجلس الأعلى للأمن القومي، بصفته الهيئة الأعلى لرسم السياسات الخارجية والدفاعية، بات الآن تحت إدارة شخصية تجمع بين الولاء العقائدي المطلق والخبرة الميدانية العسكرية.
سيرة جنرال من الرعيل الأول
ولد محمد باقر ذو القدر عام 1955 في مدينة فسا بمحافظة فارس، ويحمل خلفية أكاديمية في الاقتصاد من جامعة طهران، قبل أن تصقله سنوات الثورة والحرب.
وانخرط محمد باقر ذو القدر في العمل الثوري ضد النظام الإمبراطوري مطلع شبابه، ومع انتصار ثورة 1979، كان من المؤسسين الأوائل للجان الثورة الإسلامية ثم انضم للحرس الثوري.
خلال الحرب العراقية الإيرانية، برز ذو القدر كقائد ميداني تولى مسؤولية التدريب، ثم أصبح قائدا لقيادة عمليات القتال غير النظامي، مما منحته فهما عميقا لحروب العصابات والعمليات الاستخباراتية خلف الحدود، وهو ما انعكس لاحقا على مسيرته الأكاديمية بحصوله على دكتوراة في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الدفاع الوطني.
محطات الصراع السياسي: معارض الإصلاحيين الصارم
يعرف ذو القدر بأنه أحد أشرس معارضي التيار الإصلاحي في إيران. ففي بدايات الثورة، انضم لمنظمة “مجاهدي الثورة الإسلامية”، لكنه سرعان ما انفصل عنها وساهم في حلها بسبب خلافات جذرية مع جناحها اليساري.
وخلال حقبة الرئيس محمد خاتمي في التسعينيات، كان ذو القدر من بين الجنرالات الذين وقعوا على الرسالة الشهيرة شديدة اللهجة التي هددت خاتمي بالتدخل العسكري إذا استمرت الاحتجاجات الطلابية، وهو ما يفسر دوره النشط في قمع تظاهرات يوليو 1999.
التنقل بين العسكرية والسياسة والقضاء
شغل ذو القدر مناصب رفيعة جعلت منه “رجل المهمات الصعبة” في النظام رئيس أركان الحرس الثوري لمدة 8 سنوات في عهد رفسنجاني، ونائب القائد العام للحرس الثوري لمدة 8 سنوات تالية.
كما شغل محمد باقر ذو القدر نائب وزير الداخلية للأمن في عهد أحمدي نجاد (2005-2007)، حيث أقيل لاحقا بسبب خلافات حول تقدير الموقف العسكري من هجوم أمريكي محتمل، وهو ما كشف عن استقلالية قراره حتى أمام الرؤساء.
كما تولى محمد باقر ذو القدر مناصب استراتيجية في السلطة القضائية ومجلس تشخيص مصلحة النظام، مما جعله مطلعا على كافة ملفات الدولة، من منع الجريمة إلى التخطيط الاستراتيجي الكلي.
دلالات التعيين: رسائل للداخل والخارج
يأتي تعيين ذو القدر في وقت تواجه فيه إيران تحديات وجودية. ففي الداخل، يمثل وجوده ضمانة أمنية قوية ضد أي تحركات احتجاجية، نظرا لتاريخه في “قبضة الحديد”. أما في الخارج، فإن اختياره يرسل رسالة حازمة للقوى الكبرى وللإقليم؛ فإيران وضعت “عقلا عسكريا” على رأس طاولة المفاوضات والسياسة الخارجية.
ويرى مراقبون أن ذو القدر، بصفته صهر الدبلوماسي كاظم غريب آبادي وزوج صديقة بيجوم حجازي (المسؤولة في منظمة الثقافة الإسلامية)، يمتلك شبكة علاقات أسرية وسياسية تربط بين الدبلوماسية والعسكرية والعمل الثقافي العابر للحدود. هذا التداخل يتيح له إدارة ملفات العراق وسوريا واليمن ولبنان برؤية أمنية موحدة، تدمج بين العمل الميداني والضغط السياسي.
وبصفته أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، سيكون ذو القدر المسؤول التنفيذي عن تنسيق القرارات بين أجهزة الاستخبارات، والحرس الثوري، ووزارة الخارجية.
كما توحي خلفيته التي تجمع بين “القتال غير النظامي” و”الإدارة الاستراتيجية” بأن طهران قد تنتهج سياسة “المرونة التكتيكية” في المفاوضات النووية، لكن مع “صلابة ميدانية” في حماية نفوذها الإقليمي.










