الموانئ السعودية على البحر الأحمر تتحول إلى منصة إنقاذ لوجستية بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز
الرياض – المنشر الإخبارى
في وقت يشهد فيه مضيق هرمز اضطرابات غير مسبوقة بسبب التصعيد العسكري في المنطقة، برز ميناء جدة الإسلامي كمركز لوجستي رئيسي لإعادة توجيه حركة التجارة وسلاسل الإمداد إلى دول الخليج، في خطوة وصفت بأنها عملية إنقاذ اقتصادية لتأمين الغذاء والدواء والسلع الأساسية لملايين السكان، في وقت تعتمد فيه دول الخليج بشكل شبه كامل على الاستيراد الخارجي لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ووفق تقرير نشرته شبكة سي إن إن، تستعد الموانئ السعودية على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء جدة، لاستقبال زيادة ضخمة في حركة الشحن خلال الأسابيع المقبلة، مع تحويل عشرات السفن مساراتها بعيداً عن الخليج إلى موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي، في واحدة من أكبر عمليات إعادة توجيه التجارة البحرية في المنطقة منذ سنوات. وتشير التقديرات إلى أن حجم الواردات عبر الموانئ الغربية للمملكة قد يرتفع بنسب كبيرة خلال فترة قصيرة، مع تزايد المخاوف من استمرار التوترات العسكرية وتأثيرها على الملاحة في الخليج.
تحويل المسارات التجارية
بيانات منصة مارين ترافيك المتخصصة في تتبع حركة السفن أظهرت أن أكثر من 60 سفينة تجارية غيرت مسارها بالفعل، متجهة إلى موانئ بديلة، من بينها ميناء جدة الإسلامي، وميناء صحار، وميناء صلالة، إضافة إلى ميناء خورفكان، في محاولة لتجنب المخاطر الأمنية في الخليج. وتشمل هذه السفن ناقلات حاويات وسفن شحن مواد غذائية وناقلات طاقة، ما يعكس حجم القلق لدى شركات الشحن العالمية من المرور عبر مناطق التوتر.
ويرى خبراء الشحن أن ما يحدث حالياً يمثل إعادة رسم مؤقتة لخريطة التجارة في المنطقة، حيث أصبحت الموانئ الواقعة على البحر الأحمر والمحيط الهندي هي المسار الأكثر أماناً، رغم ارتفاع التكاليف وطول زمن الرحلات. كما أن تغيير المسارات لا يعني فقط زيادة في زمن الشحن، بل يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار التأمين البحري وتكاليف النقل، وهو ما سينعكس تدريجياً على أسعار السلع في الأسواق.
النفط يعبر إلى البحر الأحمر
ولتأمين صادرات الطاقة، قامت السعودية بتكثيف نقل النفط عبر خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث يتم تحميل النفط على ناقلات من هناك بدلاً من موانئ الخليج، ما أدى إلى زيادة حركة الملاحة في البحر الأحمر بشكل ملحوظ. ويعد ميناء ينبع أحد أهم البدائل الاستراتيجية لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، إذ يمنح السعودية منفذاً مباشراً إلى الأسواق العالمية دون المرور بمناطق التوتر.
هذا التحول في مسارات النفط لا يقتصر على السعودية فقط، بل يشمل أيضاً إعادة ترتيب حركة شحنات الطاقة في المنطقة بالكامل، حيث تسعى دول الخليج إلى إيجاد مسارات بديلة لضمان استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية دون انقطاع، خاصة في ظل المخاوف من حدوث أزمة طاقة عالمية إذا استمر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة.
الغذاء والدواء أولاً
شركات الشحن العالمية، وعلى رأسها ميرسك، أكدت أن الأولوية القصوى حالياً هي لضمان تدفق شحنات الغذاء والدواء، خاصة أن دول الخليج تستورد النسبة الأكبر من احتياجاتها الغذائية من الخارج، ما يجعل أي تعطيل في سلاسل الإمداد تهديداً مباشراً للأمن الغذائي. وتشير تقديرات لوجستية إلى أن المنطقة تستورد ما يقرب من 80 إلى 90 في المئة من احتياجاتها الغذائية، وهو ما يفسر حالة الاستنفار اللوجستي في الموانئ السعودية.
كما أطلقت السعودية مبادرات لوجستية لتسهيل عبور الشاحنات عبر أراضيها إلى دول الخليج، في محاولة لتعويض النقص الناتج عن تعطل بعض خطوط الملاحة في الخليج العربي، حيث تحولت الطرق البرية إلى شريان موازٍ للنقل البحري، خاصة لنقل السلع سريعة الاستهلاك والإمدادات الطبية.
تهديدات باب المندب
ورغم التحول الكبير نحو البحر الأحمر، لا تزال المخاطر الأمنية قائمة، خاصة في منطقة مضيق باب المندب، ما دفع بعض السفن إلى اتخاذ مسارات أطول عبر قناة السويس لضمان سلامة الشحنات، وهو ما يزيد من مدة الرحلات البحرية لكنه يقلل من المخاطر الأمنية.
ويرى مراقبون أن ميناء جدة تحول بالفعل إلى “غرفة عمليات لوجستية” لإدارة حركة التجارة في المنطقة، وأن استمراره في العمل بكامل طاقته قد يحدد قدرة دول الخليج على تجاوز أزمة سلاسل الإمداد في حال استمرار التوترات في مضيق هرمز. كما أن نجاح هذا التحول اللوجستي قد يعيد رسم خريطة التجارة في المنطقة حتى بعد انتهاء الأزمة، حيث قد تكتسب موانئ البحر الأحمر أهمية استراتيجية أكبر في حركة التجارة العالمية.











