في أزقة وسط البلد وأسواق الجمعة الشعبية، وتحت أضواء المحلات الخفية في المناطق الصناعية، ينبض قلب اقتصاد موازٍ يفوق حجمه الرسمي. تقرير خاص يكشف تنامي هذه الظاهرة في مصر، حيث يقدر حجم الاقتصاد غير الرسمي بنحو ٤٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل أكثر من ٥٠٠ مليار دولار سنويًا، وفقًا لبيانات البنك الدولي ومركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء لعام ٢٠٢٥. هذا الاقتصاد، الذي يشمل التجارة غير المسجلة، التهريب، والأنشطة غير القانونية، أصبح تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي، خاصة مع تضخم يتجاوز ٣٠٪ وانهيار قيمة الجنيه.
بدأت الظاهرة تتوسع بشكل ملحوظ منذ جائحة كورونا، حيث فقدت ملايين العمال وظائفهم الرسمية، فالتجأوا إلى البيع الجوال أو ورش العمل المنزلية. في محافظات الدلتا مثل الشرقية والدقهلية، يسيطر التجار “الكبار” على أسواق الخضروات واللحوم، حيث يتم تهريب ٧٠٪ من الواردات عبر الحدود الليبية والسودانية دون دفع جمارك. “نبيع بالدولار الأسود لأن البنوك ترفض تحويلاتنا”، يقول أحمد، تاجر في سوق العبور، الذي يفضل عدم الكشف عن اسمه. هذا السوق وحده يولد يوميًا ملايين الجنيهات خارج السجلات الضريبية.
لا تقتصر الظاهرة على التجارة؛ فالصناعات الخفيفة مثل الملابس والإلكترونيات تشهد نموًا هائلاً في الاقتصاد الموازي. في مدينة ٦ أكتوبر، تعمل آلاف الورش غير المرخصة بطاقة عاملين تصل إلى ٢٠٠ ألف، تنتج بضائع مقلدة بنسبة ٨٠٪ أرخص من الأصلية. تقرير من غرفة الصناعات الغذائية يكشف أن ٦٠٪ من منتجات الألبان والمشروبات في الأسواق الشعبية مزيفة، مما يحرم الدولة من إيرادات ضريبية تقدر بـ١٠٠ مليار جنيه سنويًا. وفي القطاع العقاري، ينتشر “السوق الأسود” للإيجارات والأراضي، حيث يتم تسعيرها بالدولار لتجنب التضخم، مما يفاقم أزمة الإسكان.
أما التهريب، فهو الوقود الرئيسي لهذا الاقتصاد. من المخدرات إلى الهواتف والسيارات، تمر كميات هائلة عبر سيناء والصحراء الغربية. الجهاز المركزي للتعبئة العامة يقدر حجم تهريب الوقود بـ٥٠٠ مليون لتر شهريًا، بقيمة ٢٠ مليار جنيه، تذهب لشبكات إجرامية مترابطة. هذا يؤدي إلى عجز في الميزانية يصل إلى ١٥٪، وفقًا لوزير المالية محمد معيط في تصريحاته الأخيرة أمام البرلمان في فبراير ٢٠٢٦.
التحديات ليست اقتصادية فحسب، بل اجتماعية. يعمل نحو ٥٠٪ من القوى العاملة في القطاع غير الرسمي، دون تأمين صحي أو معاشات، مما يعمق الفقر. دراسة من الجهاز المركزي للإحصاء تشير إلى أن ٢٧ مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، معظمهم في هذا الاقتصاد.
كما يغذي الاقتصاد الموازي الفساد، حيث تتقاطع مصالح المسؤولين مع التجار الكبار، ويصبح الرشوة “رسوم دخول” للأسواق.
الحكومة لم تقف مكتوفة الأيدي. في ٢٠٢٥، أطلقت حملة “عدالة ضريبية”، سجلت ١٠٠ ألف منشأة جديدة وزادت الإيرادات بنسبة ٢٠٪. كما عززت رقابة الحدود بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى مصادرة بضائع بـ٥ مليارات جنيه. لكن الخبراء يطالبون بإصلاحات جذرية: تبسيط الإجراءات الضريبية، دعم المشروعات الصغيرة، ومكافحة التهريب عبر تعاون دولي.










