تشهد منطقة القرن الأفريقي، التي تضم إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي والسودان الجنوبي، تطورات دراماتيكية في مارس 2026، تجمع بين التصعيد العسكري والنزاعات الإقليمية، مع تفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية. هذه المنطقة الاستراتيجية، التي تطل على البحر الأحمر وباب المندب، أصبحت ساحة للتنافس الدولي بين قوى إقليمية وعالمية، مما يهدد بإعادة رسم خريطة الاستقرار في شرق أفريقيا.
في إثيوبيا، يستمر التوتر مع إريتريا حول نزاع البحر الأحمر. في فبراير 2026، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن خطط لتأمين مخرج بحري دائم، مما أثار مخاوف أسمرة من محاولات فصل أوغادين أو إقليم أفار. وقعت اشتباكات حدودية محدودة قرب منطقة تيغراي في 15 مارس، أسفرت عن مقتل 23 جنديًا إثيوبيًا وإريتريًا، حسب تقارير الأمم المتحدة.
هذا التصعيد يعيد إلى الأذهان حرب 1998-2000، التي خلفت عشرات الآلاف من القتلى. اقتصاديًا، تعاني إثيوبيا من تضخم يصل إلى 35%، مع احتجاجات في أديس أبابا ضد سياسات الإصلاح الاقتصادي، مما دفع الحكومة إلى طلب مساعدات دولية بقيمة 2 مليار دولار من البنك الدولي.
أما الصومال، فيغرق في فوضى الأمن. جماعة الشباب أعلنت مسؤوليتها عن هجومين كبيرين في مقديشو خلال الأسبوع الماضي، أوديا بحياة 47 مدنيًا وجرحا 120 آخرين.
الحكومة الصومالية، بدعم من قوات الاتحاد الأفريقي (ATMIS)، شنت عملية “الدرع الأسود” في 20 مارس، أدت إلى مقتل 89 مقاتلاً من الشباب، لكنها فشلت في السيطرة على مناطق جنوبية واسعة. الرئيس حسن شيخ محمود يواجه ضغوطًا داخلية، مع شكاوى من فساد في توزيع المساعدات الإنسانية. كما أثار اتفاق الصومال مع تركيا لنشر قواعد عسكرية جديدة في 10 مارس، غضبًا إقليميًا، خاصة من مصر والسعودية اللواتي يخشيان توسع نفوذ أنقرة في باب المندب.
في السودان الجنوبي، يتفاقم الجوع والنزوح بسبب فيضانات كارثية ضربت المنطقة في يناير، مما أثر على 4 ملايين شخص. تقرير الأمم المتحدة الصادر 22 مارس يحذر من مجاعة وشيكة تصيب 2.5 مليون طفل، مع انتشار الكوليرا في مخيمات اللاجئين. الرئيس سالفا كير أمر بتوزيع 500 ألف طن من المساعدات، لكن الفساد يعيق الجهود، حيث هرب مسؤولون بـ150 مليون دولار من الصندوق الإنساني. نزاعات قبلية في جونغلي أدت إلى مقتل 112 شخصًا في أسبوعين، مما يهدد اتفاق السلام لعام 2018.
جيبوتي تظل النقطة الاستراتيجية الأبرز، مع قواعد عسكرية أمريكية، صينية، وفرنسية. في 18 مارس، وقعت حادثة تصادم بين سفن حربية صينية وإماراتية قرب ميناء جيبوتي، أثارت توترات في الخليج. الرئيس إسماعيل عمر جيليه يتفاوض مع الإمارات على توسيع التعاون الاقتصادي، مقابل ضمانات أمنية، وسط مخاوف من تدخل إيراني عبر الحوثيين في اليمن.
دوليًا، يلعب الاتحاد الأوروبي دورًا متزايدًا، حيث وعد بـ1.2 مليار يورو لمكافحة الإرهاب والجوع في قمة بروكسل 23 مارس. الولايات المتحدة فرضت عقوبات على قادة الشباب ومسؤولين إثيوبيين متورطين في تهريب أسلحة. روسيا، من جانبها، عززت علاقاتها مع إريتريا بصفقة أسلحة بـ300 مليون دولار، مما يعزز نفوذها في المنطقة.
الأزمة الإنسانية الأكبر تلوح في الأفق: 18 مليون شخص يحتاجون مساعدات عاجلة، مع 3 ملايين نازح داخليًا. منظمة الهجرة الدولية تسجل تدفق 200 ألف لاجئ سوداني إلى إثيوبيا، مما يفاقم الضغط على الموارد.
هذه التطورات تؤكد أن القرن الأفريقي على مفترق طرق: إما نحو الاستقرار عبر حوار إقليمي، أو نحو حرب شاملة تهدد التجارة العالمية. الاتحاد الأفريقي يدعو إلى قمة طارئة في أديس أبابا الأسبوع المقبل، لكن الشكوك تظل قائمة.










