أصدرت منظمة الأمم المتحدة تقرير السعادة العالمي ٢٠٢٦، يكشف عن هوة متسعة بين أسعد الشعوب وأكثرها تعاسة، مع تصدر فنلندا القائمة للمرة الثامنة متتالية بنقاط ٧٫٨٤ من ١٠، بينما تسقط دول عربية إلى قاع التصنيف. التقرير، الذي يعتمد على استطلاعات لـ١٤٣ دولة تغطي ٩٩٪ من سكان العالم، يقيس السعادة عبر ستة مؤشرات رئيسية: الناتج المحلي للفرد، الدعم الاجتماعي، متوسط العمر المتوقع، الحرية، الكرم، ومستوى الفساد. مع تزايد الأزمات الاقتصادية والمناخية، انخفضت السعادة العالمية بنسبة ٥٪ عن ٢٠٢٥.
في القمة، تتفوق الدول الإسكندنافية: الدنمارك (٧٫٦٠)، آيسلندا (٧٫٥٣)، إسرائيل (٧٫٤٨ رغم التوترات)، وهولندا (٧٫٤٠). فنلندا تفوز بفضل نظامها الاجتماعي القوي، توازن العمل-الحياة، والثقة في الحكومة (٩٥٪). “السعادة ليست ثروة، بل شعور بالأمان”، يقول جون هيليتون، مدير التقرير.
أما أمريكا الشمالية، فتراجعت كندا إلى المرتبة ١٥ بسبب التضخم، بينما صعدت أستراليا إلى ١٠.
في الشرق الأوسط، صدمة كبرى: لبنان في المركز ٤٧ (انخفاض ١٠ مراتب بسبب الأزمة الاقتصادية)، مصر ٨٥ (٤٫٨٥ نقاط، تراجع بسبب التضخم ٣٠٪ والفقر)، والعراق ٩٢. السعودية تحسنت إلى ٣٢ بفضل رؤية ٢٠٣٠ والإصلاحات الاجتماعية، بينما الإمارات ٢٢ (٦٫٤٥) تفوقت بمؤشرات الحرية والدعم. أما قاع القائمة، فيسيطر الأفارقة: أفغانستان آخرها (١٫٦٧)، ثم ليبيريا وسيراليون، بسبب الحروب والفقر المدقع.
العوامل الرئيسية للتراجع العالمي تشمل جائحة كورونا المتأثرة، التغير المناخي (انخفاض ١٠٧ دول بسبب الكوارث)، واللامساواة.
الشباب تحت ٣٠ عامًا أقل سعادة بنسبة ٢٠٪، خاصة في الدول النامية. في أوروبا الشرقية، صعدت ليتوانيا إلى ١٩ بتحسين الدعم النفسي، بينما انخفضت أوكرانيا إلى ٦٥ رغم المساعدات.
بالنسبة لمصر، يعكس التصنيف أزماتها: الدعم الاجتماعي مرتفع (٨٠٪ يثقون بعائلاتهم)، لكن الحرية منخفضة (٤٫٥)، والفساد يؤثر سلبًا. “السعادة هنا مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي”، يقول الدكتورة فاطمة الزهراء، خبيرة نفسية بجامعة عين شمس.
في الخليج، نجحت الإمارات والسعودية بزيادة الكرم (تبرعات ٥٠٠ مليار دولار سنويًا). أفريقيا جنوب الصحراء تسجل أدنى معدلات (٣٫٧٠ متوسطًا)، بينما أمريكا اللاتينية تتألق بكولومبيا (٦٧) رغم العنف.
التقرير يقترح دروسًا: تعزيز الصحة النفسية، مكافحة الفساد، ودعم المرأة (النساء أسعد في ٧٠٧ دول). مع توقعات بانخفاض إضافي بنسبة ٣٪ بحلول ٢٠٣٠ بسبب المناخ، يدعو إلى سياسات عالمية.
في مصر، أثارت النتائج نقاشًا: حملات على تويتر تطالب بـ”سعادة مصرية” عبر إصلاحات اقتصادية، ووزير التضامن وعد ببرامج دعم نفسي.
هذا التقرير ليس مجرد أرقام، بل مرآة لعالم منقسم. بينما تفيض فنلندا سعادة، تغرق أفغانستان في اليأس. هل تتعلم الدول النامية من القمة، أم تستمر في الهبوط؟ السعادة ليست رفاهية، بل حق أساسي يتطلب إرادة سياسية.










