كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير موسع استند إلى شهادات عسكريين ومسؤولين أمريكيين، أن الهجمات الإيرانية المكثفة والقوية أجبرت جزءا كبيرا من القوات الأمريكية في المنطقة على إخلاء قواعدها التقليدية والاعتماد على نمط “العمل عن بعد” من مواقع بديلة تشمل فنادق ومساحات مكتبية مدنية موزعة في عدة دول.
تكتيكات الاضطرار: فنادق بدلا من الثكنات
أفاد التقرير بأن القواعد العسكرية الأمريكية الـ 13 المنتشرة في المنطقة باتت “شبه غير صالحة للسكن” نتيجة الضربات المتواصلة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي دخلت أسبوعها الرابع.
وباتت القوات البرية، باستثناء أطقم الطيران والصيانة، تدير العمليات اللوجستية والاستخباراتية من غرف الفنادق، وهو ما يطرح تساؤلات كبرى حول مدى استعداد إدارة ترامب لهذه الحرب.
وعلق الرقيب أول “ويس جي. براينت”، المختص السابق في العمليات الخاصة، قائلا: “نحن نمتلك القدرة على إنشاء مراكز عمليات مؤقتة، لكنك تفقد حتما جزءا من القدرات، لا يمكنك ببساطة وضع معدات ضخمة ومعقدة على سطح فندق”.
ورغم نفي المسؤولين العسكريين العمل من أسطح الفنادق المدنية، إلا أن حالة التشتت التي أصابت 40 ألف جندي أمريكي بالمنطقة أدت إلى مصاعب إدارية غير مسبوقة.
خارطة الدمار: القواعد تحت نيران “حرب رمضان”
لم تكن المواقع الأمريكية بمنأى عن الاستهداف المباشر؛ فقد شهدت القواعد في الكويت، المتاخمة لإيران، الخسائر الأكبر، حيث قتل ستة عسكريين أمريكيين في ضربة على ميناء الشعيبة دمرت مركزا للعمليات التكتيكية.
كما طال الدمار قاعدة “علي السالم” الجوية ومعسكر “بيورينغ”، مما أخرج مرافق الصيانة والوقود عن الخدمة.
ولم يتوقف الأمر عند الكويت، بل امتد ليشمل:
قطر: تضرر نظام رادار الإنذار المبكر في قاعدة “العديد” (المقر الجوي الإقليمي للقيادة المركزية).
البحرين: إصابة معدات الاتصالات في مقر الأسطول الخامس الأمريكي.
السعودية: تضرر طائرات تزويد بالوقود ومعدات اتصال في قاعدة “الأمير سلطان”.
العراق: هجوم بسرب مسيرات على فندق في أربيل كان يعتقد بوجود عسكريين فيه.
الحرس الثوري يطارد “الأهداف الموزعة”
في المقابل، استغل الحرس الثوري الإيراني هذا الانتقال الأمريكي للمواقع المدنية لشن حرب استخباراتية.
ودعا عبر وكالة “تسنيم” السكان المحليين للإبلاغ عن أماكن اختباء القوات الأمريكية عبر تطبيق “تيليغرام”، معتبرا إياها “واجبا إسلاميا”.
واتهمت طهران الجيش الأمريكي باستخدام المدنيين “دروعا بشرية” عبر إسكان جنوده في فنادق وسط المناطق الحضرية.
فجوات التخطيط وحسابات الخطر
أشار التقرير إلى أن أحد أسباب هذا الارتباك يعود لسوء تقدير الإدارة الأمريكية لمدى قوة الرد الإيراني. فبينما اعتاد الجيش الأمريكي في عقود سابقة (في العراق وأفغانستان) على التفوق الجوي المطلق أمام خصوم لا يملكون قدرات صاروخية باليستية، وجد نفسه اليوم أمام قوة تمتلك ترسانة قادرة على شل المطارات والقواعد.
وأقر الجنرال “دان كين”، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن الإيرانيين “لا يزالون يحتفظون بقدرات كبيرة”، رغم تأكيد وزير الدفاع “بيت هيغسيث” أن واشنطن استهدفت أكثر من 7 آلاف هدف إيراني حتى الآن.
حوادث واستنزاف
الضغط العملياتي المستمر على مدار الساعة أدى أيضا إلى حوادث ناتجة عن الإجهاد؛ حيث اصطدمت طائرتان من طراز (KC-135) هذا الشهر، مما أدى إلى مقتل ستة عسكريين إضافيين.
ويؤكد مراقبون أن “التنفيذ اللامركزي” الذي يفتخر به الجيش الأمريكي يخضع الآن لأقسى اختبار حقيقي، حيث تحولت القواعد الحصينة إلى أهداف سهلة، وتحولت الفنادق إلى مراكز قيادة اضطرارية في حرب لا يبدو أنها ستنتهي قريبا.










