تصريحات إيرانية وتصعيد إعلامي يوازي جهود دمشق لحماية سيادتها وتعزيز سيطرتها على الحدود
دمشق – المنشر الإخباري
في تطور يعكس التوترات الإقليمية المتصاعدة، صعّدت إيران خطابها تجاه دمشق بعد فقدان ما كان يُعرف بـ”الحلقة الذهبية”، الممر الحيوي لنقل الأسلحة والأموال إلى حزب الله عبر سوريا خلال السنوات الماضية. وتعد هذه الخطوة جزءًا من استراتيجية طهران لإعادة نفوذها في سوريا والمنطقة، في محاولة لتعويض القيود التي واجهتها في مواجهة التفوق العسكري والتقني للولايات المتحدة وإسرائيل، والتي تمنعها من شن عمليات مباشرة واسعة النطاق.
وأكدت مصادر إيرانية أن المواقع الاستراتيجية في دمشق، بما في ذلك فنادق فخمة ومراكز صناعية هامة، قد تتحول إلى أهداف مشروعة إذا استمرت الحكومة السورية في منع نشاط المستشارين الإيرانيين أو القوى المسلحة المدعومة من طهران. وبحسب العميد السوري أحمد رحال، فإن هذه التصريحات تُظهر تصعيدًا إعلاميًا وسياسيًا أكثر من كونها مؤشرات على استعداد فعلي لمواجهة عسكرية، معتبرًا أن إيران تركز على خلق ضغط متعدد الجبهات من خلال استهداف “النقاط الرخوة” مثل الممرات التجارية وخطوط الطاقة.
ويشير رحال إلى أن سقوط النظام السابق في سوريا وظهور سلطة جديدة أدت إلى تحول جذري في المعادلة، إذ تبنت الحكومة الحالية موقفًا واضحًا برفض استخدام أراضيها كمنصة للصراعات الإقليمية أو كممر لنقل السلاح الإيراني، مما أدى إلى تراجع النفوذ الإيراني وفقدان السيطرة على أحد أهم خطوط الإمداد الاستراتيجية. ويضيف أن هذا التحول يمثل دافعًا أساسيًا للتصعيد الإيراني، إذ تحاول طهران الضغط على دمشق لإعادة فتح قنوات النفوذ السابقة، أو على الأقل إرباك الموقف السياسي الجديد.
من جانبها، قامت دمشق بتعزيزات عسكرية على الحدود مع لبنان والعراق لضبط الحدود ومنع استخدامها كمعابر لنقل الأسلحة أو تحركات الجماعات المسلحة، في خطوة تعكس سياسة “تحصين الداخل” التي تتبعها القيادة السورية الحالية. ووفق رحال، فإن سوريا تعتمد على أدوات سياسية ودبلوماسية لحماية سيادتها، مع إدراك محدودية قدراتها العسكرية التقليدية، مما يجعلها تتجنب الانخراط في صراع مباشر قد يتجاوز إمكانياتها الحالية.
كما يرى محللون أن هذا التصعيد الإيراني ينسجم مع سياسة أوسع تسعى إلى الضغط على الدول العربية لتجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة مع طهران، نظرًا للتكاليف العالية وعدم وضوح النتائج، مما يجعل خيار التهدئة وضبط الحدود أولوية في المرحلة الحالية. وفي الوقت نفسه، فإن الصراع على النفوذ بين إيران ودمشق يسلط الضوء على التغيرات الجذرية في التوازن الإقليمي، حيث تحاول طهران استعادة مواقعها الاستراتيجية، بينما تسعى دمشق إلى تعزيز سيادتها واستقلال قرارها السياسي، مع العمل على إيجاد توازن بين الحفاظ على أمنها الداخلي وإدارة الضغوط الإقليمية المتصاعدة.
هذا المشهد يعكس معادلة دقيقة: إيران تحاول استعادة النفوذ بعد فقدان خطوط الإمداد الحيوية، بينما دمشق تعمل على تثبيت موقعها خارج دائرة الاشتباك المباشر، عبر سياسة تقوم على السيادة وضبط الحدود، دون الانجرار إلى حرب تتجاوز قدراتها الحالية، في حين يبقى الشرق الأوسط مسرحًا لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية المتنوعة، مع تصعيد الخطاب الإعلامي والدبلوماسي كأداة ضغط إستراتيجية.










