في تصعيد غير مسبوق يمزج بين الجيوسياسية التقليدية وحروب البيانات الحديثة، أطلق الحرس الثوري الإيراني تهديدا هز أركان الأسواق المالية ومراكز التكنولوجيا العالمية، ففي بيان صدر اليوم، لوحت طهران بقطع “شرايين الحياة الرقمية” الممتدة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهي الكابلات البحرية التي تحمل نبض العالم الافتراضي والمالي.
الحقيقة الغائبة: الإنترنت تحت الماء لا فوق السحاب
خلافا للاعتقاد الشائع بأن الإنترنت يسبح في الفضاء عبر الأقمار الصناعية، فإن الواقع التقني يشير إلى أن ما بين 95% و97% من حركة البيانات العالمية تتدفق عبر ألياف زجاجية دقيقة مدفونة على عمق متر إلى مترين تحت قاع البحر.
الكابلات ليست مجرد وسيلة لتصفح المواقع، بل هي العمود الفقري لعمليات التحويل المصرفي، تداولات البورصة اللحظية، وخدمات الحوسبة السحابية التي تربط الأسواق المالية ببعضها البعض.
اليوم، يفرض الحرس الثوري الإيراني واقعا جديدا في مضيق هرمز، حيث يتقاضى رسوما انتقائية على العبور بالعملة الصينية (اليوان)، واضعا يده على ممر مائي لا يحمل فقط 20% من نفط وغاز العالم، بل يحمل أيضا الغالبية العظمى من بياناته.
خارطة التهديد: الكابلات في “مرمى النيران”
وفقا لبيانات مؤسسة TeleGeography، فإن الكابلات المعرضة للخطر في مضيق هرمز تشمل: FALCON، وGulf Bridge International، وEurope India Gateway، بالإضافة إلى SEA-ME-WE 6 وAAE-1 وFLAG. أما في البحر الأحمر، فالقائمة تضم أسماء استراتيجية مثل Seacom و2Africa Pearls.
صرح الحرس الثوري بوضوح: “لن تستثنى البنية التحتية الحيوية في هرمز والبحر الأحمر إذا استمر العدوان”. هذا التصريح حول هذه الروابط من مجرد بنية تحتية تقنية إلى أدوات ضغط سياسي وتكتيكات “حافة الهاوية”.
سلاح التهديد: الاضطراب قبل القطع
رغم الجدية الظاهرة، يرى المحللون أن التهديد قد يكون “خدعة” عالية المخاطر. فتاريخيا، تسبب قطع عرضي لثمانية كابلات قبالة مصر عام 2008 في توقف 80% من البيانات بين الشرق الأوسط وأوروبا لأسابيع. وفي عام 2024، أدت مراسي السفن الحوثية لتلف أربعة كابلات استغرق إصلاحها شهورا.
إيران تدرك أن التخريب المتعمد سيعزل شبكتها الخاصة ويثير ردا عسكريا فوريا من الأساطيل الدولية (الأمريكية، البريطانية، والفرنسية) المرابطة هناك. لكن “التهديد بحد ذاته هو السلاح”، إذ يجبر المشغلين على إعادة توجيه المسارات بتكاليف باهظة، ويرفع أسعار التأمين، ويضع المؤسسات المالية التي تعتمد على زمن استجابة يقل عن 40 مللي ثانية في حالة تأهب قصوى، مما يحدث اضطرابا ماليا دون الحاجة لقطع ليف ضوئي واحد.
ستارلينك: الرابح الأكبر في صراع “تحت البحر”
بينما تهتز ثقة العالم بالكابلات القاعية، تبرز “ستارلينك” التابعة لشركة “سبيس إكس” كبديل استراتيجي. فمع كوكبة تضم أكثر من 9500 قمر صناعي، بدأت الشركة بالفعل في تزويد ناقلات النفط بخدمات إنترنت بحرية تتراوح سرعتها بين 100 و220 ميغابت في الثانية.
وعلى الرغم من محاولات إيران التشويش على الخدمة، إلا أن “ستارلينك” ردت بتحديثات برمجية خفضت فقدان البيانات إلى مستويات مقبولة.
الصراع التقني يتزامن مع تقارير عن عزم “سبيس إكس” طرح اكتتابها العام الأولي (IPO) هذا الأسبوع، مستهدفة قيمة سوقية تصل إلى 1.75 تريليون دولار بحلول يونيو، مستفيدة من كونها البديل الوحيد الموثوق للألياف المتنازع عليها في قيعان البحار.
نقطة الاختناق: حيث يلتقي النفط بالبيانات
يظل مضيق هرمز، بعرضه البالغ 39 كيلومترا، أخطر نقطة اختناق في العالم. فالمكان الذي يمر منه الهيليوم، الأسمدة، أشباه الموصلات، والنفط، هو نفسه الذي يحكم قبضة العالم الرقمي. إن تقارب هذه الأزمات في جغرافيا واحدة هو أمر لم يقم السوق بتسعيره بدقة بعد، مما يفتح الباب أمام تقلبات اقتصادية قد تغير وجه التجارة العالمية.










