أثار غياب الرئيس السوري أحمد الشرع عن التحركات الدبلوماسية الجماعية الأخيرة لعدد من القادة العرب في دول الخليج، تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية، خاصة في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
ويأتي الغياب ليطرح علامات استفهام حول طبيعة الدور السوري الجديد في المنطقة، بعد أكثر من عام على الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وتولي القيادة الجديدة زمام الأمور بدمشق.
دعم خليجي مشروط وأولويات دمشق
منذ سقوط النظام السابق، خطت سوريا خطوات متسارعة نحو الاندماج في “الحضن العربي”، مدعومة بزيارات رسمية قام بها الشرع لكل من السعودية والإمارات، أثمرت عن وعود بصفقات إعادة إعمار بمليارات الدولارات ورفع جزئي للعقوبات.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن غياب الرئيس السوري عن اللقاءات الخليجية الأخيرة المرتبطة بتطورات الحرب الإيرانية قد يعكس رغبة سورية في “النأي بالنفس” عن صراع إقليمي مدمر قد يجهض جهود التعافي الداخلي.
فسوريا، التي خرجت لتوها من عقود من الحرب والدمار، تفضل حاليا التركيز على بناء مؤسسات الدولة وتأمين استقرارها الداخلي بدلا من التورط في محاور عسكرية قد تجعل أراضيها ساحة لتصفية الحسابات مجددا.
الابتعاد عن طهران.. مسار معقد
رغم أن دمشق الجديدة أدانت رسميا الاعتداءات الإيرانية على دول الجوار وسعت للتحلل من قيود التحالف السابق مع طهران، إلا أن الواقع الجيوسياسي يفرض حذرا شديدا.
فالدعم الخليجي، رغم قوته وزخمه، يظل مرتبطا بملفات شائكة مثل الشمولية السياسية ومكافحة تهريب المخدرات.
وفي هذا السياق، قد يفسر غياب الشرع كرسالة استقلالية في القرار الوطني، تهدف إلى إظهار أن سوريا لم تعد مرتهنة لأي محور خارجي، سواء كان إيرانيا أو حتى خاضعا لضغوط إقليمية مطلقة، بل تتحرك وفق وتيرة تضمن بقاء الدولة وإعادة إعمارها أولا.
دلالات الغياب والآفاق المستقبلية
على الصعيد السياسي، يحمل هذا التطور دلالتين متناقضتين؛ فبينما يراه البعض دليلا على نضج دبلوماسي سوري يسعى للحياد الإيجابي لضمان تدفق الاستثمارات الخليجية، يخشى آخرون أن يفسر كتردد في الانخراط الكامل في المنظومة الأمنية العربية المشتركة ضد التهديدات الإيرانية.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل غياب الشرع عن تلك اللقاءات مؤشر على استقلالية قرار سوري ناضج يرفض الوقوع في فخ الاصطفافات الجاهزة؟ أم أنه تعبير عن تردد يعكس هشاشة المرحلة الانتقالية وضعف الإمكانات أمام ثقل التوقعات؟
الإجابة الأقرب إلى الحقيقة تجمع الأمرين معا. سوريا الجديدة تمشي على حبل مشدود بين ضرورات الإعمار وحسابات التوازن الإقليمي وضغوط الداخل المتشعب. وفي مثل هذه اللحظات، الغياب عن الصورة أحيانا يعبر عن حكمة سياسية أعمق من الحضور فيها. لكنه في أحيان أخرى يترك فراغا تملؤه التفسيرات، ولا يملك أحد ترف التحكم في معناها حين تبدأ تجري في أروقة الدبلوماسية الإقليمية.










