في تصعيد هو الأعنف منذ أسابيع، شنت إيران فجر اليوم الأحد هجوما جويا مكثفا استهدف العمق الصناعي لدولة الإمارات العربية المتحدة، مستخدمة ترسانة ضخمة تألفت من 16 صاروخا باليستيا و42 طائرة مسيرة.
ورغم نجاح الدفاعات الجوية الإماراتية في اعتراض وتدمير كافة الأهداف المعادية، إلا أن شظايا الاعتراض وحطام الصواريخ المتساقطة خلفت مأساة إنسانية وتهديدا اقتصاديا يتجاوز حدود المنطقة، ليضرب قلب الصناعات التكنولوجية العالمية.
ضحايا من “أمم متحدة” مصغرة
أسفر الهجوم عن سقوط 11 قتيلا، بينهم جنديان إماراتيان و9 وافدين ينتمون لتسع جنسيات مختلفة، فيما أصيب 178 شخصا ينتمون لـ 29 جنسية.
وتعكس قائمة الضحايا التركيبة الديموغرافية الفريدة لقطاع الصناعة في الخليج، حيث تضم القائمة باكستانيين، نيباليين، بنغلاديشيين، هنودا، وفلبينيين، وهم الفئات التي تشغل المصانع وتعيش في المجمعات السكنية المحيطة بها.
استراتيجية “النواتج الثانوية”: ضرب الغاليوم والهيليوم
لم تكن القواعد العسكرية هي الهدف هذه المرة، بل تركزت الضربات على مصاهر الألومنيوم، وتحديدا منشآت شركة “إي جي إيه” (EGA) في أبوظبي، بالتزامن مع تهديدات طالت “ألبا” في البحرين و”كاتالوم” في قطر.
المنشآت ليست مجرد مصانع للمعادن، فهي تنتج مجتمعة ما يصل إلى 9% من إنتاج الألومنيوم الأولي عالميا، وتؤمن 20% من واردات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان.
إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في “الرابط الخفي” الذي يربط هذه المصاهر بصناعة الرقائق الإلكترونية، فمادة “الغاليوم”، الضرورية لتشغيل محطات الجيل الخامس (5G)، الرادارات العسكرية، والسيارات الكهربائية، هي منتج ثانوي لعملية صهر الألومنيوم.
ومع سيطرة الصين على 98% من معالجة الغاليوم عالميا وفرضها قيودا صارمة على التصدير، تعد مصاهر الخليج المصدر الوحيد تقريبا للغاليوم الخام خارج النفوذ الصيني.
ويأتي هذا الهجوم بعد أيام فقط من استهدف منشآت “رأس لفان” في قطر (18-19 مارس)، مما أدى لخسارة 33% من المخزون العالمي لغاز “الهيليوم”، وهو منتج ثانوي آخر لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، وضروري جدا لتبريد مغناطيسات أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وصناعة أشباه الموصلات.
الانهيار كضرر جانبي
تزعم طهران أن هذه الضربات جاءت ردا على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت بنية الصلب والطاقة النووية الإيرانية، لكن النتيجة غير المعلنة هي انهيار سلسلة توريد أشباه الموصلات كـ “ضرر جانبي”.
فالحرب لا تستهدف الرقائق الإلكترونية بشكل مباشر، بل تستهدف “الذرات قبل البتات”؛ أي الصناعات الأساسية (الطاقة والمعادن) التي لا يمكن لصناعة التكنولوجيا البقاء دون نواتجها الثانوية.
لقد استهدفت إيران في شهر واحد سلسلتي إنتاج حيويتين: منشآت الغاز (مصدر الهيليوم) ومصاهر الألومنيوم (مصدر الغاليوم). ولا يوجد بديل عملي لأي منهما على نطاق واسع، مما يضع صناعة التكنولوجيا العالمية أمام فخ استراتيجي لم يتحسب له أحد.
الاستنزاف المالي والتقني
منذ 28 فبراير الماضي، بلغت الحصيلة التراكمية للهجمات 414 صاروخا باليستيا و1914 طائرة مسيرة.
ورغم كفاءة “الدرع” الإماراتي في الاعتراض، إلا أن تكلفة كل عملية تصد تعادل أضعاف تكلفة الهجوم. واللافت أن هذه الترسانة الإيرانية تعمل بالكامل ضمن المنظومة التقنية الصينية؛ بدءا من التمويل باليوان، وصولا إلى التوجيه عبر أقمار “بيدو” والاستشعار بأجهزة صينية الصنع.
وفي إجراء أمني صارم، احتجزت السلطات الإماراتية نحو 70 مواطنا بريطانيا بتهمة تصوير القصف الصاروخي، مع صدور أحكام تصل إلى 10 سنوات، في رسالة حازمة بأن توثيق القدرة على الصمود أو مواقع السقوط يعد خطا أحمر يمس الأمن القومي في زمن الحرب.
إن ما يحدث اليوم هو احتراق للنواتج الثانوية التي يحتاجها العالم الرقمي. لقد أثبتت الحرب أن “الذرات” التي تحترق في مصاهر الخليج هي التي تحرك “البتات” في وادي السيليكون، وأن انهيار سلاسل الإمداد لم يعد احتمالا، بل واقعا يفرضه حطام الصواريخ الذي لا يفرق بين جنسية وأخرى.










