كشفت وثائق استخباراتية مسربة، استنادا إلى تحقيق سري في ملفات الإرهاب، عن معطيات صادمة تتعلق بالمدعو “خير الدين دميرجان”، الذي يشغل حاليا منصب المستشار الاقتصادي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونائب وزير الخزانة التركي.
وأظهرت الوثائق أن دميرجان، الذي قضى سنوات في مناصب رفيعة بالبنك الدولي في واشنطن، كان أحد الأهداف الرئيسية لتحقيقات مكافحة الإرهاب التركية لصلته بشبكة “سلام توحيد”، وهي الأذرع السرية لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في تركيا.
البداية من “ملفات يازيجي أوغلو”
تعود خيوط القضية إلى وحدة مكافحة الإرهاب التركية التي تتبعت أنشطة “حسين عوني يازيجي أوغلو”، وهو عميل مخابرات إيراني مدان فر إلى طهران سابقا وعاد ليتم تفعيله من قبل الحرس الثوري بعد صعود حزب العدالة والتنمية للحكم. ووفقا للتحقيقات، كان يازيجي أوغلو يعمل بتعليمات مباشرة من الجنرال “ناصر غفاري”، القيادي في فيلق القدس الذي كان يعمل تحت غطاء دبلوماسي في تركيا.
وكشفت الوثائق التي عثر عليها بحوزة يازيجي أوغلو عن “قائمة أهداف” تضم مسؤولين أتراكا تعتبرهم طهران عملاء محتملين أو متعاطفين مع نظامها.
وكان اسم خير الدين دميرجان من بين الأسماء التي وضعت بجانبها “علامة زائد” (+)، وهو الرمز الذي استخدمه الحرس الثوري للدلالة على الاستعداد التام لخدمة الأهداف الاستراتيجية الإيرانية.
وفي ذلك الوقت، كان دميرجان يشغل منصب رئيس قسم الاتحاد الأوروبي في وكالة الخزانة التركية.

رقابة وتصوير سري: اجتماعات “مقهى الفاتح”
بناء على أوامر قضائية صدرت في ديسمبر 2011، وضعت الشرطة التركية دميرجان تحت المراقبة اللصيقة والتنصت الهاتفي. ووثقت تقارير المراقبة، المدعومة بالصور الفوتوغرافية، اجتماعات متكررة لدميرجان مع عناصر من فيلق القدس في مقهى “سومونكوبابا” بحي الفاتح المحافظ في إسطنبول.
وأظهرت تسجيلات التنصت محادثات لدميرجان مع “علي غوموش”، المسؤول عن تنظيم رحلات لاستقطاب عملاء جدد إلى إيران، وفي إحدى المكالمات بتاريخ 3 فبراير 2012، ناقش الطرفان تعيينات في وزارة المالية التركية، حيث استخدم دميرجان لغة فسرها المحققون بأنها تعكس انخراطا قديما في الشبكات الموالية لإيران منذ سنوات دراسته الجامعية.
وخلصت تقييمات الشرطة حينها إلى أن دميرجان لعب دورا محوريا في “تطوير عملاء” داخل البيروقراطية التركية لصالح طهران، مع استخدامه إجراءات أمنية مشددة لتجنب الرصد.
الحماية السياسية والصعود إلى البنك الدولي
توقفت هذه التحقيقات بشكل مفاجئ في فبراير 2014، بعد أن تدخلت حكومة أردوغان لإغلاق الملف وتطهير القضاة وضباط الشرطة الذين أشرفوا على القضية.
وبدلا من مواجهة المحاكمة، بدأ منحنى دميرجان المهني بالصعود الصاروخي؛ ففي عام 2016 عين نائبا لوكيل وزارة المالية، وفي 2018 أصبح مديرا في بنك التنمية والاستثمار التركي.
المحطة الأكثر إثارة للجدل كانت في الفترة من نوفمبر 2020 إلى نوفمبر 2024، حيث شغل دميرجان منصب مدير تنفيذي في البنك الدولي بواشنطن العاصمة، ممثلا لدائرة انتخابية تضم 10 دول أوروبية إلى جانب تركيا.

ومن موقعه في قلب المؤسسة المالية الدولية، أشرف “المشتبه بانتمائه لفيلق القدس” على قرارات القروض والمنح والسياسات المالية العالمية، مع الحفاظ على صلات وثيقة بجمعيات أعمال مؤيدة لإيران مثل “موسياد”.
المستشار الاقتصادي في القصر الرئاسي
بعد عودته من واشنطن، وتحديدا منذ أبريل 2025، استقر دميرجان في موقعه الحالي كعضو في المجلس الرئاسي للسياسات الاقتصادية، ليصبح أحد أقرب المستشارين للرئيس أردوغان في رسم السياسات المالية للدولة، بحسب “نورديك مونيتور”.
ويرى مراقبون أن قضية دميرجان تثير تساؤلات خطيرة حول مدى تغلغل النفوذ الاستخباراتي الإيراني في مفاصل الدولة التركية، وكيف تمكنت شخصية مرتبطة بملفات إرهاب وتجسس من اختراق واحدة من أهم المؤسسات المالية في الولايات المتحدة (البنك الدولي) تحت غطاء رسمي، مما يضع مصداقية الفرز الأمني في المؤسسات الدولية على المحك.










