تحرك دبلوماسي جديد يهدف إلى احتواء التصعيد وفتح مسار سياسي للأزمة الإيرانية
برلين – المنشر الإخباري
في تحرك دبلوماسي لافت يعكس تغيراً في موازين التحرك الدولي تجاه الأزمة الإيرانية، أعلنت الصين عن تعزيز التعاون الاستراتيجي مع باكستان بهدف الدفع نحو وقف الحرب وفتح مسار سياسي ينهي التصعيد العسكري في المنطقة، في خطوة تشير إلى دخول بكين بثقلها السياسي في ملف يعد من أخطر ملفات الشرق الأوسط حالياً.
وأعلنت وزارة الخارجية الصينية، الثلاثاء، أن بكين وإسلام آباد ستعملان خلال المرحلة المقبلة على تكثيف “التواصل والتنسيق الاستراتيجي” بشأن الوضع في إيران، وذلك في إطار تحركات دبلوماسية تهدف إلى وقف العمليات العسكرية والدفع نحو تسوية سياسية، وفق ما أكدته المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ خلال مؤتمر صحافي في بكين.
وقالت المتحدثة إن الشراكة بين الصين وباكستان هي “شراكة استراتيجية في جميع الظروف”، وهو توصيف سياسي تستخدمه بكين عادة للإشارة إلى التحالفات التي تعتمد عليها في الملفات الجيوسياسية الكبرى، ما يعكس حجم الدور الذي قد تلعبه إسلام آباد في المرحلة المقبلة كوسيط سياسي وأمني في الأزمة.
دعم للوساطة الإقليمية
التحرك الصيني يأتي في وقت كانت فيه باكستان قد بدأت بالفعل تحركات دبلوماسية عبر استضافة اجتماعات إقليمية شارك فيها وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، في إطار ما يعرف بالتحرك “الرباعي” الهادف إلى احتواء التصعيد ومنع توسع الحرب في المنطقة. ويبدو أن بكين قررت دعم هذا المسار إقليمياً، عبر توفير غطاء دولي ودبلوماسي له، وهو ما يمنح المبادرة ثقلاً سياسياً أكبر على المستوى الدولي.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن الصين لا تتحرك فقط من منطلق دبلوماسي، بل من منطلق استراتيجي مرتبط بمصالحها الاقتصادية، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، حيث تسببت الحرب في اضطراب إمدادات النفط وارتفاع الأسعار، ما شكل ضغطاً اقتصادياً على الاقتصاد الصيني.
النفط والممرات المائية
ويرى مراقبون أن أحد أهم أهداف التحرك الصيني هو تأمين الممرات المائية وخطوط إمداد الطاقة، خاصة مع تزايد المخاوف من اتساع نطاق الحرب وتهديد الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على التجارة العالمية وإمدادات النفط إلى آسيا.
كما أن الصين تمتلك علاقات اقتصادية قوية مع إيران، وتعد أحد أهم الشركاء التجاريين لطهران، ما يمنحها قدرة على التأثير السياسي والاقتصادي في القرار الإيراني، وهو ما قد تستخدمه بكين للضغط نحو القبول بوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات سياسية.
خارطة طريق سياسية
ووفقاً لمصادر دبلوماسية، فإن التنسيق الصيني الباكستاني يهدف إلى إعداد “خارطة طريق” سياسية تتضمن وقف العمليات العسكرية، وفتح الممرات المائية، والبدء في مفاوضات سياسية برعاية إقليمية ودولية، على أن يتم عرض هذه المبادرة على الأطراف المتنازعة خلال الفترة المقبلة.
ومن المتوقع أن تعتمد هذه الخارطة على النفوذ الاقتصادي الصيني في إيران، والعلاقات الأمنية والسياسية التي تمتلكها باكستان مع عدد من دول المنطقة، ما يجعل التحالف بين بكين وإسلام آباد قادراً على لعب دور الوسيط المقبول من عدة أطراف.
إعادة رسم التوازنات
ويرى محللون أن دخول الصين على خط الأزمة الإيرانية بهذا الشكل لا يهدف فقط إلى وقف الحرب، بل يعكس أيضاً محاولة صينية لإعادة رسم التوازنات الدولية في الشرق الأوسط، في ظل تراجع نسبي للدور الغربي في بعض ملفات المنطقة، وصعود أدوار قوى إقليمية ودولية جديدة.
كما أن التحرك الصيني عبر باكستان تحديداً يشير إلى أن بكين تفضل العمل من خلال حلفاء إقليميين بدلاً من الظهور في الواجهة بشكل مباشر، وهو أسلوب دبلوماسي تتبعه الصين في العديد من الأزمات الدولية، حيث تعمل كقوة داعمة للوساطة وليس كطرف مباشر فيها.
مرحلة جديدة من الصراع الدبلوماسي
في ضوء هذه التحركات، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون عسكرية فقط، بل دبلوماسية أيضاً، مع دخول قوى دولية جديدة على خط الوساطة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مفاوضات سياسية إذا ما نجحت الضغوط الدولية في فرض وقف لإطلاق النار.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الصين وباكستان في إطلاق مسار سياسي حقيقي ينهي الحرب، أم أن تعقيدات الصراع وتشابك المصالح الدولية سيجعل من هذه المبادرة مجرد محاولة جديدة تضاف إلى سلسلة المبادرات التي لم تنجح في إنهاء أزمات المنطقة؟










