في تصريحات مثيرة للجدل، ألقى رئيس جهاز الاستخبارات البريطانية (MI6) السابق، السير ألكس يانغر، قنبلة على الرأي العام الدولي، معتبراً أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً استراتيجياً فادحاً في تقدير طبيعة المواجهة مع إيران. وفقاً ليانغر، الذي شغل منصبه بين عامي 2014 و2021، أظهر الجانب الإيراني قدرة استثنائية على الصمود من خلال توزيع ذكي لقدراته العسكرية عبر شبكة واسعة من الوكلاء والحلفاء، مما يجعل أي محاولة لضربة حاسمة ضد طهران أمراً شبه مستحيل.
جاءت هذه التصريحات خلال مقابلة حصرية أجراها مع مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، حيث حذر يانغر من أن واشنطن تتعامل مع إيران كعدو تقليدي يمكن هزيمته بضربات جوية أو عقوبات اقتصادية، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً. “الإيرانيون ليسوا جيشاً مركزياً يجلس في طهران ينتظر الصواريخ،” قال يانغر، مضيفاً: “لقد وزّعوا قدراتهم العسكرية في عقد من الزمن عبر الشرق الأوسط، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، مروراً بالميليشيات في العراق وسوريا. هذا التوزيع يجعلهم غير قابلين للانهيار بضربة واحدة.”
يأتي تحليل يانغر في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، خاصة بعد هجمات إيرانية مباشرة على قواعد أمريكية في العراق عام 2020، ردّت عليها إيران بصواريخ باليستية دقيقة دون خسائر كبيرة في صفوفها. يشير التقرير الاستخباراتي البريطاني السابق إلى أن هذا الصمود لم يكن مصادفة، بل نتيجة استراتيجية “الدفاع المرن” التي اعتمدتها إيران منذ عقود.
فبدلاً من الاعتماد على قوات نظامية مركزية، بنت طهران “محور المقاومة”، شبكة غير متماسكة جغرافياً لكنها مترابطة أيديولوجياً، قادرة على امتصاص الضربات وردها بقوة متضاعفة.
في تفاصيل مذهلة، كشف يانغر عن تقارير استخباراتية بريطانية تؤكد أن إيران نقلت نحو 60% من ترسانتها الصاروخية إلى مواقع سرية تحت الأرض في جبال زاغروس والمناطق الحدودية، بالإضافة إلى توزيع أسلحة الطائرات المسيرة (الدرونز) عبر وكلائها. هذا التوزيع، حسب يانغر، يعني أن أي هجوم أمريكي محتمل على المنشآت النووية الإيرانية سيتعرض لرد واسع النطاق، قد يشمل إغلاق مضيق هرمز أو هجمات على السفن التجارية في بحر عمان. “الولايات المتحدة تخطط لـ’عملية جراحية’، لكن إيران ستحوّلها إلى حرب شاملة إقليمية،” حذّر.
لا يقف الأمر عند القدرات العسكرية؛ يرى يانغر أن خطأ واشنطن يكمن أيضاً في تجاهل الجانب الاقتصادي والاجتماعي. رغم العقوبات الأمريكية القاسية، نجحت إيران في الصمود عبر الاعتماد على اقتصاد “المقاومة”، الذي يشمل التجارة مع الصين وروسيا، والإنتاج المحلي للأسلحة. “الإيرانيون تعلموا من حرب الثماني سنوات مع العراق أن الصمود هو السلاح الأقوى،” أضاف يانغر، مشيراً إلى أن شعبية النظام ارتفعت داخلياً بنسبة 20% بعد الضربات الأمريكية، وفقاً لبيانات استخباراتية.
أثار هذا التحليل ردود فعل متباينة. في واشنطن، نفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أي تقصير، معتبرة أن استراتيجيتها “متوازنة وفعالة”. أما في لندن، فدعا مسؤولون بريطانيون حاليون إلى إعادة تقييم التحالف مع أمريكا في مواجهة إيران. محللون مثل جوناثان ستاك من معهد الشرق الأوسط يرون أن تصريحات يانغر تأتي في توقيت حساس، مع اقتراب انتخابات أمريكية قد تغير مسار السياسة الخارجية.
في الختام، يُعد تحذير يانغر دعوة لإعادة التفكير في الاستراتيجية الغربية تجاه إيران. فبدلاً من التصعيد العسكري، يقترح تعزيز الدبلوماسية مع التركيز على تفكيك شبكة الوكلاء الإيرانية. هل ستستمع واشنطن لصوت حليفها البريطاني، أم ستستمر في وهم القوة المطلقة؟ الإجابة قد تحدد مصير الشرق الأوسط لعقود قادمة.








