اختبار مضيق هرمز كشف فجوة استراتيجية داخل الحلف، وأظهر تباين مواقف أعضائه بين التزام أمريكي متذبذب وخوف أوروبي من الانخراط المباشر في مواجهة إيران
برلين – المنشر الإخبارى
مضيق هرمز.. نقطة تماس بين المصالح العالمية
لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق، بل كان دائمًا محورًا استراتيجيًا يشكل اختبارًا لقدرة التحالفات الغربية على الصمود أمام أزمات كبرى. في 28 فبراير/شباط 2026، شهد العالم تصعيدًا غير مسبوق، حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران، لترد طهران بإغلاق المضيق، مما أطلق شرارة أزمة نفطية هزت الأسواق وفضحت هشاشة بعض تحالفات الناتو.
هذا الحدث لم يكن مجرد مشكلة طاقة، بل كشف عن فجوة عميقة بين الأعضاء حول كيفية إدارة الأزمات الكبرى، وسط توترات داخل الحلف نفسه حول الدور الأمريكي وحجم التزام باقي الدول.
التذبذب الأمريكي وتأثيره على التحالف
في الثالث من مارس/آذار، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التزام بلاده بحماية الملاحة في المضيق، مؤكداً أن البحرية الأمريكية سترافق الناقلات عند الحاجة لضمان استمرار تدفق النفط والطاقة إلى العالم.
لكن هذا التعهد سرعان ما تراجع، ففي التاسع من مارس/آذار، أطلق ترامب تهديدات مباشرة بضرب إيران بعشرين ضعفًا إذا أوقفت تدفق النفط، مهددًا بمنشآت حيوية قد تجعل إعادة بناء الدولة الإيرانية شبه مستحيلة.
رفض بعض دول الناتو الانخراط في العملية أدى إلى وصف ترامب للحلف بأنه “نمر من ورق” بدون القيادة الأمريكية، ووصف الدول الرافضة بـ“الجبناء”، مؤكدًا أن واشنطن لن تنسى مواقفهم.
تصعيد الأزمة وصعود الخلافات
في نهاية مارس/آذار، بلغ الموقف ذروته، حين طالب ترامب حلفاءه بالتحرك بأنفسهم لمواجهة الأزمة، مؤكداً أن الجزء الأصعب قد انتهى وأن الولايات المتحدة لن تكون موجودة لتقديم الدعم المباشر.
هذا التصعيد أبرز الخلافات الداخلية في الناتو، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع التحالف البقاء موحدًا أمام الأزمات الاستراتيجية، أم أن الاعتماد على القيادة الأمريكية يجعل أي قرار جماعي هشًا؟
هشاشة البنية الاستراتيجية للناتو
محللون يشيرون إلى أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف سياسي، بل تعكس فجوة بنيوية داخل الحلف. وفق تقرير “تايمز أوف إسرائيل”، الولايات المتحدة ركزت على حلول تكتيكية واستجابات سريعة على مدى عقود، لكنها لم تطور أطرًا استراتيجية طويلة المدى لإدارة صدمات الطاقة العالمية أو تنسيق العمل مع حلفاء الخليج.
تصريحات ترامب الحادة أعطت إيران فرصة للترويج إعلاميًا لهشاشة التحالف، بينما تراجعت دول كانت مستعدة للتحرك نحو خطوات أكثر نشاطًا.
المخاطر الأوروبية والميدان المفتوح
خبراء مثل غاريت مارتن، المتخصص في السياسة الأطلسية بالجامعة الأمريكية، يؤكدون أن التحدي ليس مجرد إعادة فتح المضيق، بل الحفاظ على حرية الملاحة أثناء استمرار النزاعات الإقليمية. مضيق هرمز ضيق جغرافيًا، وإيران تمتلك قدرات متقدمة لاستهداف السفن، مما يزيد احتمالات تصاعد التوترات.
هناك مخاوف من أن أي تدخل أوروبي مباشر قد يثير موجة جديدة من الهجمات، خاصة بعد محاولات إيران استهداف قاعدة بريطانية في قبرص، ما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي.
الشرخ الداخلي وضرورة إعادة بناء الثقة
تحليل “تايمز أوف إسرائيل” يشير إلى أن تحالف الناتو يعتمد على الثقة المشتركة والتنسيق الاستراتيجي، وليس فقط على الالتزامات الشكلية أو العقود المؤسسية. الأزمة كشفت هشاشة هذه الثقة، وبيّنت أن التحالف بحاجة لإعادة تأسيس أسس مشتركة لضمان عدم استغلال أي عضو لقيود الآخرين في أوقات الأزمات.
إعادة النظر في دور الناتو
أزمة هرمز كشفت ضعف التحالف أمام التحديات الكبرى، وأبرزت الحاجة لإعادة النظر في بنيته الاستراتيجية وقدرته على حماية المصالح الحيوية لأعضائه. المستقبل يعتمد على قدرة الدول الأعضاء على تجاوز الخلافات الداخلية، وإعادة بناء الثقة، ووضع خطط واضحة لإدارة الأزمات الإقليمية الكبرى، لضمان أن يكون الناتو أكثر من مجرد مظلة رمزية، وأن يتحول إلى قوة فعلية تستطيع حماية مصالح الغرب في مواجهة الأزمات الحقيقية.










