الخارجية البريطانية تعقد اجتماع افتراضي موسع لبحث أمن الملاحة في أهم ممر بحري للطاقة العالمية
لندن – المنشر الإخبارى
في خطوة غير مسبوقة وتعبير واضح عن تراجع الدور الأمريكي في الملفات الأمنية الدولية، انطلقت صباح يوم الخميس 2 أبريل 2026، فعاليات الاجتماع الافتراضي لـ 35 دولة بقيادة بريطانيا، لمناقشة سبل إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين حركة الملاحة فيه، بعد أن تسبب النزاع الإقليمي في شلل الملاحة البحرية عبر هذا الممر الاستراتيجي الحيوي.
وترأست وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر الاجتماع، الذي جمع ممثلين عن 35 دولة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، بهدف بلورة ضغوط دبلوماسية وسياسية لإعادة فتح المضيق، الذي يعد بوابة نحو نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يومياً، وخاصة بعد التهديدات المتكررة من جانب إيران باستخدام الصواريخ والمسيّرات والألغام البحرية.
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في كلمة افتتاحية:
“هدفنا هو ضمان سلامة الملاحة وسلامة البحارة والسفن، وإعادة تدفق السلع والطاقة العالمية بطريقة آمنة ومستقرة، في ظل حالة عدم اليقين الكبيرة التي خلّفتها الأحداث الأخيرة في مضيق هرمز.”
غياب أمريكي رسمي.. من يقود الأزمة؟
اللافت في التحرك الدولي الحالي هو غياب واضح للولايات المتحدة الأميركية عن طاولة الاجتماع، رغم أن الملف يرتبط مباشرة بالأمن البحري العالمي والصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، في تصريحات سابقة، أن تأمين المضائق المائية ليس من مهام الولايات المتحدة، وأن الدول الأخرى عليها أن “تحصل على نفطها بطرقها الخاصة”، في موقف أثار صدمة واسعة بين الحلفاء الأوروبيين والآسيويين على حد سواء.
ويعكس هذا الغياب موقفاً جديداً في السياسة الأمريكية، يقوم على تركيز واشنطن على مصالحها المباشرة وتقليص التزاماتها الأمنية التقليدية خارج حدودها، خصوصاً في الملفات التي لا تمت بصلة مباشرة للأمن القومي الأمريكي، وفق تصريحات كثيرة من البيت الأبيض في الأسابيع الماضية.
في المقابل، دفعت هذه التصريحات دول أوروبا وآسيا إلى اتخاذ زمام المبادرة، والبحث عن حلول جماعية مشتركة تحمي التجارة الدولية وأمن الطاقة، دون الاعتماد الكلي على القيادة الأمريكية.
مضيق هرمز.. من قلب الطاقة إلى نقطة توتر عالمي
يُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات المائية استراتيجيّة في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، ويشكل شرياناً أساسياً في حركة التجارة والطاقة.
لكن منذ اندلاع النزاع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران، تصاعدت التهديدات من جانب طهران بإغلاق المضيق أو استهداف السفن العابرة، عبر نشر ألغام وصواريخ ومسيّرات، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية وتراجع في حركة الشحن البحري، مما غذّى شكوك الأسواق في قدرة الأطراف الدولية على حماية هذا الممر.
وفي ظل هذا التوتر، برزت الحاجة إلى تنسيق دولي جماعي لحماية المضيق، خاصة مع انسحاب الولايات المتحدة عن الدور التقليدي الذي ظلت تضطلع به في حفظ أمن الممرات المائية عبر القوافل البحرية والطائرات الحربية.
تحديات التحرك الدولي.. إرادة بدون قدرة عسكرية موحدة؟
أشار العديد من الدبلوماسيين المشاركين في الاجتماع إلى أن الغرض الأول يُركّز على الحلول الدبلوماسية والمحاور السياسية لحماية الملاحة، وليس التدخل العسكري المباشر لدحر التهديدات الإيرانية بالقوة، خصوصاً في ظل عدم وجود توافق دولي على استخدام القوة في الوقت الحالي.
وقال أحد المشاركين في الاجتماع (طلب عدم نشر اسمه):
“نحن في موقف غير مسبوق: لدينا إرادة دولية قوية لحماية الملاحة، لكننا نفتقر إلى إرادة موحدة لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك، وهو ما يضعف القدرة على فرض أي واقع جديد في المضيق بدون مظلة أمريكية.”
ويأتي هذا في وقت تشهد فيه المنطقة اشتباكات واستهدافات متكررة للسفن التجارية وقوات البحرية، وضعفاً في الثقة بين الأطراف الدولية حول أفضل السبل لحماية الملاحة، وسط تنامي قدرة إيران على استهداف السفن عبر وسائل تقنية متطورة.
تفاصيل الاجتماع.. ما الذي تمّ نقاشه؟
ركز الاجتماع الافتراضي، الذي ترأسه الجانب البريطاني، على مجموعة من المحاور الرئيسية، أهمها:
- حماية الملاحة البحرية
تم بحث آليات دولية لتوفير حماية مشتركة للسفن العابرة، بما يشمل:
• التنسيق بين أساطيل دولية لحماية المسار البحري.
• تطوير آليات مراقبة عبر الأقمار الصناعية والرصد البحري.
• تبادل المعلومات الاستخباراتية والتقنية.
- دعم دبلوماسي لإعادة فتح المضيق
وضعت الدول خطة للتواصل مع:
• إيران لحثها على التراجع عن التهديدات.
• شركات الشحن والطاقة لتنسيق الإجراءات اللوجستية.
• الأمم المتحدة لتعزيز دورها في مراقبة التصعيد.
- اجتماع مخططين عسكريين قادم
كشف ستارمر عن ترتيبات لعقد اجتماعٍ ثانٍ يضم مخططين عسكريين من عدة دول، ليس لبحث تنفيذ ضربات عسكرية، بل لوضع سيناريوهات تعزيز أمن الملاحة بعد أي توقف للقتال، وتنسيق الإجراءات مع حضور دولي أوسع.
الدوافع والحسابات الدولية
تتعدد الدوافع التي تدفع هذا التحرك، من أبرزها:
أولاً: حماية الاقتصاد العالمي
يرتبط أمن مضيق هرمز مباشرة بأسعار النفط العالمية واستقرار الأسواق الدولية. أي إغلاق طويل للمضيق يعني ارتفاعاً حاداً في الأسعار وتداعيات على الاقتصاد العالمي، لا سيما في أوروبا وآسيا.
ثانياً: بديل عن المواجهة العسكرية
تحاول الدول الموقعة على التحالف الدولي تفادي التصعيد العسكري المباشر في ظل غياب أمريكي، عبر زيادة الضغوط الدبلوماسية، وتجربة بناء آليات حماية جماعية بعيداً عن الصراعات التقليدية.
ثالثاً: استعادة دور دولي فاعل
تلجأ بعض الدول الأوروبية إلى إثبات دورها في الملفات الدولية الكبرى، في ضوء ما تُظهره الولايات المتحدة من تراجع في بعض الالتزامات الأمنية، وهو ما يدعم فكرة التعاون متعدد الأطراف بدل التحالف الأحادي.
غياب أمريكا.. أزمة الثقة والتنسيق
كان من اللافت أن تكون الولايات المتحدة غائبة عن الاجتماع، في وقت يتطلب الملف تضافر جهود الجميع، ما أثار تساؤلات حول:
• هل تحوّلت واشنطن إلى لاعب غير رئيسي في ملفات الأمن البحري؟
• هل تبحث أوروبا وآسيا عن مسارات بديلة بعيداً عن الاعتماد على القيادة الأمريكية؟
• كيف سيؤثر هذا الغياب على ثقة الدول الصغيرة والمتوسطة في قدرة المجتمع الدولي على حماية مصالحها؟
أشار بعض الدبلوماسيين الأوروبيين إلى أن “الأزمة الحالية تتطلب شبكة تعاون مرنة ومتعددة المسارات، لا أن تبقى محصورة بالدور الأمريكي التقليدي”.
ردود فعل دولية واستباق للتوترات المستقبلية
رغم التوترات الحالية، رحبت دول كثيرة بتحرك لندن، معتبرة أنه:
• يرسل رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي أمام تعطيل حرية الملاحة.
• يسعى إلى تقليل الاعتماد على أي طرف منفرد في حماية الأمن البحري.
• يمهد لتعاون دولي أوسع في قضايا الأمن المائي والطاقة.
لكن بعض الدول حذّرت من أن أي محاولة لحل الأزمة دون التوصل إلى توافق مع إيران قد لا تحقق نتائج حقيقية، وأن الضغط فقط قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد.
ماذا يعني التحرك بدون واشنطن؟
قد يشير اجتماع اليوم إلى بداية تحول في المعادلات الدولية حول قضايا الأمن البحري والطاقة، بما في ذلك:
• قوة التحالفات الدولية متعددة الأطراف أكثر من الاعتماد على قوة عسكرية واحدة.
• إمكانية ظهور آليات دولية جديدة لحماية الملاحة البحرية خارج أطر التحالفات العسكرية التقليدية.
• مؤشر على أن الدول الأوروبية وآسيوية تريد لعب دور أكبر في الأمن الدولي بعيداً عن النفوذ الأمريكي الأحادي.
المرحلة الراهنة
التحرك الدولي الحالي في لندن هو محاولة جادة من 35 دولة لحماية الملاحة في مضيق هرمز واستقرار الاقتصاد العالمي، في ظل غياب الولايات المتحدة عن طاولة القرار.
الاجتماع يمثل تحولاً في:
• أساليب إدارة الأزمات الدولية (من عسكرية إلى دبلوماسية متعددة الأطراف).
• دور أوروبا وآسيا في الأمن البحري العالمي.
• التحديات التي تواجهها القيادة الأمريكية في الحفاظ على التحالفات التقليدية.
وبينما يواصل العالم مراقبة تطورات الأزمة، يبقى السؤال الأهم:
هل ستنجح الجهود الدبلوماسية في فتح مضيق هرمز دون مواجهة عسكرية مباشرة؟ أم أن الأزمة ستتوسع لتشمل تصعيداً أوسع في الشرق الأوسط؟










