طرابلس- في خطوة وصفها مراقبون بأنها “متأخرة لكنها لافتة”، أثار توجيه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، بوقف اتفاقية التطوير مع شركة “أركنو” المثيرة للجدل، موجة من التساؤلات حول الخلفيات الحقيقية لهذا القرار وما إذا كان يمثل استجابة لمطالب الشفافية أم مجرد تكتيك سياسي للبقاء.
قراءة في “التوجيه” لا “القرار”
يرى المحلل السياسي الليبي، فرج فركاش، أن ما صدر عن الدبيبة هو “توجيه” وليس قراراً رسمياً بالبطلان، موضحاً أن القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء، وفقاً لخبراء القانون، لا تُلغى إلا بقرارات مماثلة تستوفي الشروط القانونية.
ويضع هذا التوجيه المؤسسة الوطنية للنفط في موقف شائك؛ فهي لا تملك صلاحية إلغاء قرارات مجلس الوزراء، لكنها قد تستخدم هذا التوجيه كـ “غطاء سياسي” للتراجع عن صفقات أصبحت عبئاً ثقيلاً أمام الرأي العام والجهات الرقابية، وسط مخاوف من وجود تبعات قانونية أو جزاءات مالية جراء إلغاء العقود، وتساؤلات حول من قد يتربح من هذا الإجراء.
ظلال تقرير الخبراء والضغط الأمريكي
لا يمكن فصل هذا التحرك عن تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة (2025-2026)، الذي سلط الضوء بشكل غير مسبوق على عقود شركة “أركنو” وشبهات استغلال موارد الدولة، واصفاً إياها بأنها أصبحت “مؤسسة شبه موازية” للمؤسسة الوطنية للنفط. وهنا يبرز الدور الأمريكي، وتحديداً تحركات مسعد بولس، مستشار الرئيس ترامب لشؤون أفريقيا والشرق الأدنى، الذي يدفع نحو “شفافية الموارد” كشرط أساسي للاستقرار. ويبدو أن الدبيبة التقط الإشارة وحاول استباق الضغوط الدولية بتقديم “قربان إداري” يمتص الغضب الشعبي ويعطي انطباعاً بحرصه على المصدر الوحيد للدخل القومي.
الزواج السري وهشاشة الاستقرار
وحول تأثير الخطوة على التفاهمات غير المعلنة بين معسكري الدبيبة وصدام حفتر، يرى فركاش أننا لسنا أمام قطيعة، بل ربما “إعادة تدوير للاتفاق”. فالمعادلة القائمة على “النفط مقابل البقاء” قد تجد صيغة جديدة تضمن تدفق العوائد للطرفين بعيداً عن أعين لجنة الخبراء. ومع ذلك، يبقى شبح “إغلاق النفط” ورقة ضغط جاهزة من قبل القوى في شرق البلاد إذا شعرت بتضرر حصتها من “كعكة العقود”، مما يبقي البلاد في دائرة “الاستقرار الهش” حيث تُدار الثروة بعقلية المقايضة لا التنمية.
خلاصة المشهد
بإيجاز، يبدو توجيه الدبيبة “حجر عثرة” مؤقتاً ومناورة لامتصاص الصدمات الدولية. لكن السؤال الحقيقي يبقى: هل ينجح تكتيك التراجع هذا في حماية مراكز القوى، أم أن تقرير الخبراء وضع الجميع أمام نقطة اللاعودة في ممارسات الصفقات المشبوهة على حساب قوت الليبيين؟ وهل يكفي هذا التوجيه لضمان الشفافية، أم أنه مجرد إعادة ترتيب لقطع الشطرنج بين الشرق والغرب؟










