في تطور دراماتيكي يعكس حجم الكارثة الإنسانية والبيئية المتفاقمة في إقليم الأحواز، شهدت مدينة ماهشهر (معشور) بمنطقة الأهواز جنوب غرب إيران، الأحد، ليلة هي الأصعب في تاريخها الحديث، فقد شنت مقاتلات حربية غارات جوية عنيفة استهدفت المنطقة الاقتصادية الخاصة للبتروكيماويات، مما أدى إلى سلسلة من الانفجارات الثانوية وانبعاث سحب كثيفة من الغازات السامة التي غطت سماء ماهشهر، دافعة مئات العائلات إلى إخلاء منازلهم بشكل عاجل وسط حالة من الذعر والارتباك.
جحيم في المجمعات الصناعية
بحسب التقارير الميدانية الموثقة، استهدفت الغارات الجوية،التي تشير المصادر إلى أنها نفذت بدقة عالية، مجمعات استراتيجية تشمل “فجر 1 و2″، “أمير كبير”، “رجال”، و”أبو علي” في ماهشهر، هذه المجمعات لا تمثل فقط عصب الاقتصاد الإيراني، بل تضم وحدات إنتاجية تتعامل مع مواد كيميائية شديدة الخطورة وهيدروكربونات سريعة الاشتعال.
وتسببت الهجمات على ماهشهر في انقطاع فوري للتيار الكهربائي وإمدادات الغاز عن الوحدات الصناعية، وتحولت المنطقة إلى كتلة من اللهب والدخان الأسود الذي أمكن رؤيته من مسافات بعيدة.
وفيما أكدت وكالة “إيلنا” (ILNA) وقوع أضرار جسيمة، اضطر المسؤولون الإيرانيون إلى إصدار أوامر بإخلاء المنطقة الاقتصادية الخاصة بالكامل في ماهشهر من العمال والموظفين لتجنب وقوع مجزرة بشرية نتيجة الانفجارات المتتالية.
سحب سامة ونزوح تحت جنح الظلام
على الرغم من محاولات السلطات في الأهواز التقليل من حجم الكارثة، عبر تصريحات نائب محافظ خوزستان للأمن التي أكدت إصابة خمسة أشخاص فقط وزعمت عدم وجود تهديد مباشر للمدنيين، إلا أن الواقع على الأرض في مدينة معشور كان مختلفا تماما.
وقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو تظهر انتشارا كثيفا للأدخنة وروائح كيميائية نفاذة جعلت من عملية التنفس أمرا مستحيلا في العديد من الأحياء السكنية.
أفاد شهود عيان ومصادر محلية بأن العائلات القريبة من المواقع الصناعية بدأت بالنزوح الجماعي منذ الساعات الأولى لوقوع الهجوم. وسارع من يمتلكون الإمكانيات المادية أو وسائل النقل إلى مغادرة ماهشهر باتجاه المناطق الأكثر أمانا، خوفا من انبعاثات غازات أكسيد الكبريت والنيتروجين التي تسبب اختناقات حادة وتلفا في الجهاز التنفسي.
ووصف سكان محليون الوضع بأنه “هروب من الموت الكيميائي”، مؤكدين أن الصمت الرسمي حيال طبيعة الغازات المنبعثة زاد من حالة الهلع الشعبي.
تضارب الأنباء والقلق الدولي
من جانبها، أكدت صحيفة نيويورك تايمز وقوع الهجوم، مشيرة إلى أن الهدف كان تعطيل إنتاج البتروكيماويات التي تدخل بعض مشتقاتها في الصناعات العسكرية. ورغم أن التقارير الدولية لم تحسم حجم التلوث البيئي في المناطق السكنية، إلا أن تعطل المرافق الحيوية وانفجار الخزانات الكيميائية يضع المنطقة أمام كارثة بيئية طويلة الأمد.
وفي ظل هذا الوضع الحربي المتأزم، تضاربت الروايات بين التأكيدات الرسمية التي تحاول حصر الإخلاء في المنطقة الصناعية فقط، وبين الروايات الميدانية التي تؤكد خلو أجزاء واسعة من أحياء معشور القريبة من المصانع.
وبينما يسود الهدوء النسبي في الأحياء القديمة والبعيدة، تظل المدينة تعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر، وسط تحذيرات حقوقية من التعتيم على أعداد الضحايا الحقيقية أو الآثار الصحية القاتلة التي قد تظهر لاحقا نتيجة استنشاق السموم الكيميائية. تظل معشور اليوم مدينة يلفها الدخان والقلق، في انتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة من نتائج لهذا التصعيد غير المسبوق.










