مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران، تكشف الأيام الأخيرة عن منظومة ضربات منهجية تستهدف شرايين البنية التحتية الإيرانية بدقة لافتة، في مشهد يوحي بأن ما يجري ليس مجرد ردود انتقامية عشوائية، بل تنفيذ مرحلي لخطة عسكرية محكمة تسعى إلى تفكيك قدرة الحرس الثوري الإيراني على الحركة والسيطرة قبل أي مواجهة برية محتملة.
الجسور والسكك الحديدية: هدف استراتيجي بامتياز
في خطوة لافتة أعلن عنها الجيش الإسرائيلي رسميا، جرى استهداف ثمانية جسور وطرق رئيسية يستخدمها الحرس الثوري الإيراني لنقل الأسلحة والمعدات العسكرية، إضافة إلى ضربات مركزة طالت خطوط السكك الحديدية التي تمثل العمود الفقري لأي تنقل عسكري سريع داخل الأراضي الإيرانية.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يتردد في الإفصاح عن الهدف الاستراتيجي لهذه الضربات، مؤكدا: “بالأمس دمر طيارونا طائرات نقل وعشرات المروحيات في قاعدة جوية، واليوم هاجموا خطوط السكك الحديدية والجسور التي يستخدمها الحرس الثوري”، مضيفا أن العملية تستهدف “إضعاف وتدمير النظام الذي دمر الشعب الإيراني طوال سبعة وأربعين عاما”.
عزل الأطراف عن المركز: المخطط الكامل
يرصد خبراء استراتيجيون، نمطا واضحا في خريطة الضربات يتجاوز منطق الردع إلى منطق التفكيك الممنهج للقدرة العسكرية الإيرانية.
ويكشف هؤلاء الخبراء أن الهدف الحقيقي من استهداف الجسور وخطوط السكك الحديدية هو عزل المناطق الإيرانية الحيوية عن العاصمة طهران وعن بعضها البعض.
المناطق المستهدفة بهذا العزل ليست عشوائية، إذ تتصدرها أذربيجان الإيرانية في الشمال الغربي، ذات الثقل السكاني والعمق الجغرافي الاستراتيجي، وكردستان إيران التي تمثل بوابة الغرب نحو العراق وسوريا، فضلا عن الأحواز وأبوشهر وهرمزجان في الجنوب الغربي، تلك المنطقة الغنية بالنفط والمتاخمة للخليج العربي ومضيق هرمز.
قطع أوصال هذه المناطق عن مراكز القيادة والإمداد في طهران وأصفهان يعني عمليا شل أي قدرة على الاستجابة العسكرية المنسقة في حال تطور المواجهة إلى مرحلة أكثر حدة.
العقيدة الجديدة لطهران: الإشعال الإقليمي الشامل
في مقابل هذا المخطط، انتقلت طهران وفق التقارير الاستخباراتية المتاحة إلى نموذج دفاعي مغاير كليا، يمكن وصفه بـ”مبدأ الإشعال الشامل”.
المنطق الكامن وراء هذا المبدأ بسيط في صياغته وبالغ التعقيد في تداعياته:، إذا كانت إيران لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مباشرة، فإنها تستطيع رفع ثمن هذه المواجهة إلى مستويات لا تطيقها الإدارة الأمريكية ولا اقتصادات حلفائها.
الهدف ليس الانتصار العسكري التقليدي، بل استنزاف الإرادة السياسية وتغيير معادلة التكلفة والعائد في الحسابات الغربية.
منظومة القيادة اللامركزية: الرهان الإيراني الأخير
يبدو أن القيادة الإيرانية تراهن على ورقة أخيرة بالغة الخطورة: بناء منظومة قيادة لا مركزية من واحد وثلاثين مركزا مستقلا موزعة جغرافيا، مصممة لمواصلة القتال والعمليات حتى في حال القضاء على القيادة العليا والمراكز المركزية للتحكم والسيطرة.
هذه البنية، التي تستلهم من بعض الوجوه تجارب حرب العصابات في المناطق الجبلية الوعرة، تحول أي عملية عسكرية من مهمة قابلة للإنجاز إلى مستنقع مفتوح النهايات.
ضربات الجسور والسكك الحديدية تكتسب في هذا السياق أهمية مضاعفة؛ إذ حتى لو نجحت الضربات في تدمير عدد من هذه المراكز اللامركزية، فإن عزل المناطق الجغرافية يحول دون إعادة انتشار الوحدات المتبقية وتنسيقها لضربات مضادة متكاملة.
سباق الساعات الأخيرة
مع اقتراب نهاية المهلة الترامبية، تتكثف التحركات الدبلوماسية والعسكرية في آن واحد. مصادر مطلعة تشير إلى أن ساعات القرار باتت وشيكة، في ظل ضغوط متصاعدة من حلفاء واشنطن الأوروبيين الذين يخشون من امتداد رقعة الصراع إلى ما يتجاوز الحدود الإيرانية، ومن تداعيات اقتصادية كارثية قد تضرب أسواق النفط العالمية وتضاعف أسعار الطاقة.
في المقابل، يحكم الجيش الإسرائيلي قبضته على خريطة الضربات بتسارع ملحوظ، إذ تشير التقارير إلى استهداف منظومات دفاع جوي وقواعد صواريخ ومستودعات أسلحة في تسلسل يوحي بأن ما يجري هو التمهيد الجوي المعروف عسكريا بـ”إخماد الدفاعات” استعدادا لمرحلة أعمق وأكثر تصعيدا.
المشهد الإقليمي في لحظة الحسم
تبقى التساؤلات الكبرى مفتوحة في هذه اللحظة الفارقة: هل تنجح الضربات الجوية المركزة في تفكيك البنية العسكرية الإيرانية قبل أن تفعل طهران ورقة الإشعال الإقليمي؟ وهل تصمد منظومة القيادة اللامركزية الإيرانية أمام الضغط الجوي المتواصل؟ وما هي الحدود الفعلية التي رسمها ترامب للعملية العسكرية؟
الأيام القليلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت خريطة الضربات الحالية مقدمة لتسوية دبلوماسية تفرضها وقائع الميدان، أم أنها الفصل الأول من مواجهة إقليمية ستعيد رسم خرائط الشرق الأوسط من جديد.










