واشنطن تربط استمرار وقف إطلاق النار بتسليم اليورانيوم عالي التخصيب وسط خلافات عميقة حول مستقبل ما بعد الحرب
واشنطن – المنشر الإخباري
في تطور يعكس تعقيد المشهد الإقليمي، أكد مسؤولون عسكريون أمريكيون أن الضربات التي نُفذت خلال الأسابيع الماضية نجحت في إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنهم في الوقت ذاته حذروا من أن الهدنة الحالية لا تعني نهاية الصراع، بل مجرد توقف مؤقت قد ينهار في أي لحظة.
وخلال مؤتمر صحفي في مقر البنتاغون، صرّح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأن العمليات العسكرية الأخيرة “قوّضت بشكل شبه كامل القدرات التصنيعية الدفاعية لإيران”، مشيراً إلى أن منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنصات الإطلاق تعرضت لتدمير واسع.
وأضاف أن العملية العسكرية، التي جاءت في سياق التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، حققت أهدافها الأساسية، مؤكداً أن طهران أصبحت غير قادرة على إعادة بناء قدراتها القتالية في المدى القريب، على حد تعبيره.
وفي رسالة أكثر حدة، ربط هيغسيث استمرار وقف إطلاق النار بشرط أساسي يتمثل في تسليم إيران لمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، محذراً من أن بلاده “لن تتردد في اتخاذ إجراءات مباشرة للسيطرة على هذه المواد” إذا لم يتم الامتثال للمطالب الأمريكية.
من جانبه، أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين أن الضربات استهدفت نحو 90% من البنية الصناعية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك منشآت تصنيع الطائرات المسيّرة وأنظمة التوجيه، إضافة إلى جزء كبير من البنية المرتبطة بالبرنامج النووي.
وأشار إلى أن إعادة بناء هذه القدرات قد تستغرق سنوات، لافتاً إلى أن القوات الأمريكية لا تزال في حالة جاهزية كاملة لاستئناف العمليات العسكرية “بسرعة ودقة” في حال انهيار الهدنة.
ورغم هذه التصريحات التي تعكس ثقة عسكرية، فإن المؤشرات السياسية والميدانية تكشف عن واقع أكثر تعقيداً. فالاتفاق على وقف إطلاق النار لم يحسم القضايا الجوهرية، وعلى رأسها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي لا يزال محل تجاذب بين الطرفين.
وتشير تقارير إلى أن طهران تحاول فرض شروط جديدة على حركة السفن في المضيق، عبر فرض نوع من الرقابة أو الحصول على تصاريح عبور، وهو ما قد يفتح باباً لصراع من نوع مختلف، ينتقل من المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراع على قواعد التحكم في الممرات الحيوية.
في المقابل، تصر واشنطن على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن إنهاء أنشطة تخصيب اليورانيوم أو على الأقل وضعها تحت رقابة صارمة، وهو ما ترفضه طهران التي تعتبره حقاً سيادياً لا يمكن التنازل عنه.
هذا التباين يعكس فجوة عميقة بين الطرفين، حيث تدخل المفاوضات المرتقبة بروايتين متناقضتين: الأولى ترى في الهدنة نتيجة لضغط عسكري أجبر إيران على التراجع، والثانية تعتبرها خطوة تكتيكية لا تلغي حقها في مواصلة برنامجها النووي.
كما يمتد الخلاف إلى نطاق الهدنة نفسها، إذ تؤكد إسرائيل أن العمليات العسكرية في لبنان ستستمر، وهو ما يعكس ما يصفه مراقبون بـ“خفض التصعيد الانتقائي”، حيث تهدأ جبهة وتبقى أخرى مشتعلة.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن المنطقة تدخل مرحلة “هدوء هش”، يعتمد بشكل أساسي على نتائج المفاوضات المقبلة، ومدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، وليس مجرد إدارة الصراع بشكل مؤقت.
كما يحذر خبراء من أن استمرار الغموض بشأن مستقبل مضيق هرمز قد يكون له تداعيات اقتصادية عالمية، خاصة في ظل دوره الحيوي في نقل الطاقة، ما يجعل أي توتر فيه عاملاً مؤثراً على الأسواق الدولية.
وفي المحصلة، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى “اختبار نوايا” منها إلى اتفاق سلام فعلي، حيث تتوقف استمراريتها على مدى التزام الأطراف بالشروط المتبادلة، وقدرتها على تجاوز الخلافات العميقة التي لا تزال قائمة.










