سباق تكنولوجي محتدم بين موسكو وكييف يعيد رسم قواعد الاشتباك البحري ويؤسس لمرحلة قتالية غير مسبوقة
بين الزوارق السطحية والطائرات المسيرة والغواصات الذاتية القيادة، تتجه الحرب الروسية-الأوكرانية نحو أبعاد بحرية غير مسبوقة، حيث تتحول التقنيات الحديثة إلى عامل حاسم في تحديد موازين القوى والصراع على السيطرة الاستراتيجية في البحر الأسود
موسكو – خاص| المنشر الإخبارى
تشهد العمليات العسكرية في البحر الأسود تحولًا لافتًا خلال الأسابيع الأخيرة، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على الضربات الجوية أو الاشتباكات التقليدية، بل امتد بشكل متسارع إلى استخدام الوسائط غير المأهولة، سواء على سطح الماء أو في أعماقه. هذا التحول يعكس دخول الحرب مرحلة أكثر تعقيدًا، تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والأنظمة الذكية.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن أوكرانيا كثّفت من استخدام الزوارق المسيّرة والغواصات ذاتية القيادة، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعويض التفوق البحري الروسي التقليدي، خاصة بعد تراجع قدرات كييف البحرية منذ بداية الحرب.
نشاط مكثف فوق وتحت الماء
يتزامن هذا التصعيد البحري مع نشاط غير مسبوق للطائرات المسيّرة في الأجواء، حيث تنفذ أوكرانيا عمليات مركبة تشمل البر والبحر والجو في آنٍ واحد، مستهدفة سواحل القرم ومناطق داخل العمق الروسي، إلى جانب الممرات الحيوية في البحر الأسود.
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قوات أسطول البحر الأسود تمكنت من تدمير زورق مسيّر وغواصة ذاتية القيادة أوكرانية، في عملية شاركت فيها وحدات متعددة، من بينها الطيران التكتيكي والمسيرات الهجومية ووحدات الصواريخ والمدفعية، ما يعكس حجم التهديد الذي تمثله هذه الوسائط الجديدة.
وكانت موسكو قد أعلنت في وقت سابق تدمير 8 زوارق مسيّرة أوكرانية خلال أسبوع واحد، إضافة إلى إسقاط أكثر من 2300 طائرة مسيّرة، في مؤشر واضح على تصاعد وتيرة الحرب التكنولوجية بين الطرفين.
استراتيجية أوكرانية جديدة: السيطرة عبر التكنولوجيا
في خطاب أمام البرلمان البريطاني، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده باتت على وشك نشر أنظمة بحرية غير مأهولة قادرة على العمل في ظروف معقدة، سواء في البحر الأسود أو حتى في المحيطات.
وتشمل هذه الأنظمة زوارق متعددة المهام، بعضها قادر على حمل طائرات مسيّرة أخرى أو تنفيذ ضربات ضد أهداف برية وجوية انطلاقًا من البحر، ما يعكس تطورًا كبيرًا في العقيدة القتالية الأوكرانية.
من جهته، أوضح مستشار وزير الدفاع الأوكراني سيرهي بيسكريستنوف أن أحد أبرز أهداف كييف خلال الفترة 2026-2027 هو توسيع نطاق العمليات البحرية باستخدام الوسائط غير المأهولة، بما يشمل الزوارق السطحية والغواصات، إلى جانب أنظمة الحرب الإلكترونية والرصد.
سباق تسلح غير معلن تحت سطح البحر
التطورات الأخيرة تشير إلى أن البحر الأسود قد يتحول إلى ساحة اختبار مفتوحة لتقنيات عسكرية متقدمة، خاصة مع دخول جيل جديد من الزوارق المسيّرة مثل “سي بيبي”، القادرة على قطع مسافات تتجاوز 1500 كيلومتر، وتحمل حمولات تصل إلى طنين، مع أنظمة ملاحة وتسليح متطورة.
هذا التطور لا يمر دون رد روسي، حيث أشار متحدث البحرية الأوكرانية دميترو بليتينتشوك إلى أن موسكو بدأت بالفعل في تطوير نماذج مشابهة، في محاولة لمواكبة التقدم الأوكراني، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح غير تقليدي تحت سطح البحر.
هل تتغير قواعد الحرب؟
يرى خبراء عسكريون أن ما يحدث في البحر الأسود يمثل تحولًا استراتيجيًا قد يعيد تشكيل طبيعة الحروب البحرية مستقبلًا. فبدلًا من الاعتماد على السفن الحربية الضخمة، باتت الأنظمة الصغيرة غير المأهولة قادرة على إحداث تأثير كبير بتكلفة أقل.
الدكتور آصف ملحم، مدير مركز “جي إس إم” للأبحاث في روسيا، يؤكد أن التصعيد الأوكراني يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعتمد بشكل أساسي على الغواصات والزوارق المسيّرة، مشيرًا إلى أن العامل الحاسم لن يكون امتلاك هذه التكنولوجيا فقط، بل القدرة على إنتاجها بكميات كبيرة.
ويضيف أن إطلاق أعداد محدودة من هذه الوسائط لن يغير ميزان القوى، لكن الإنتاج الواسع وإطلاق عشرات الوحدات يوميًا قد يحدث تحولًا جذريًا، مشابهًا لما شهدته الحرب الجوية باستخدام الطائرات المسيّرة.
التحديات أمام كييف وموسكو
رغم التقدم التكنولوجي، تواجه أوكرانيا تحديات كبيرة، أبرزها القدرة على تشغيل هذه الأنظمة لمسافات طويلة، خاصة في ظل ابتعاد الأسطول الروسي عن السواحل الأوكرانية، إلى جانب قدرة موسكو على رصد منصات الإطلاق واستهدافها.
في المقابل، تعتمد روسيا على مزيج من الدفاعات التقليدية والتقنيات الحديثة، بما في ذلك الحواجز البحرية وأنظمة الرصد، لمواجهة هذا التهديد المتصاعد.
ويؤكد خبراء أن ما يجري حاليًا يدخل ضمن ما يُعرف بـ”دورة الفعل ورد الفعل”، حيث يؤدي كل تطور هجومي إلى تطوير دفاعي مضاد، ثم إلى ابتكار هجومي جديد، في حلقة مستمرة من التصعيد التكنولوجي.
من البحر الأسود إلى العالم
اللافت أن تجربة أوكرانيا في استخدام الوسائط غير المأهولة لم تعد محصورة في البحر الأسود، بل بدأت تثير اهتمامًا دوليًا واسعًا، خاصة في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز، حيث يمكن أن تنتقل هذه التكتيكات إلى صراعات أخرى.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الأنظمة في تحقيق أهداف عسكرية قد يدفع دولًا أخرى إلى تبنيها، ما قد يغير شكل الحروب البحرية عالميًا خلال السنوات المقبلة.
هل نحن أمام “حرب جديدة”؟
مع تزايد الاعتماد على الغواصات والزوارق المسيّرة، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل نحن أمام بداية نوع جديد من الحروب البحرية؟
الإجابة، وفق العديد من المحللين، تميل إلى “نعم”، لكن بشكل تدريجي. فالحروب لم تعد تُحسم فقط بالقوة النارية، بل بالقدرة على الابتكار والتكيف مع التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، قد يصبح البحر الأسود مختبرًا عالميًا لتكتيكات القتال المستقبلية، حيث تختبر الدول قدراتها في بيئة حقيقية، ما يجعل نتائج هذا الصراع تتجاوز حدوده الجغرافية لتؤثر على شكل الحروب في العالم بأسره.
معركة الأعماق بدأت
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن المواجهة بين روسيا وأوكرانيا دخلت مرحلة جديدة عنوانها “حرب الأعماق”، حيث لم يعد السطح وحده ميدان الصراع، بل أصبح ما تحت الماء ساحة مفتوحة لمنافسة تكنولوجية شرسة.
ومع استمرار التصعيد، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه التقنيات في حسم المعركة، أم أنها ستفتح الباب أمام سباق تسلح لا نهاية له؟










