رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس البرلمان نبيه بري يؤكدان سيادة لبنان واستقلالية قراره الوطني في مواجهة الغارات الإسرائيلية والتشابك الإقليمى
رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس البرلمان نبيه بري يضعان الخطوط الحمراء أمام أي وساطة خارجية، وسط محاولات إسرائيلية لتقويض تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان
بيروت – المنشر الإخبارى
وسط تصاعد التوترات الإقليمية بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران عن اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً، وجد لبنان نفسه في موقف دبلوماسي حرج، إذ تصاعدت المخاوف من أن يتم التفاوض على اتفاق وقف النار نيابة عنه دون مشاركته الفعلية. وأكدت الحكومة اللبنانية ورئيس البرلمان، من خلال تصريحات متفرقة، أن أي تفاوض حول وقف النار في لبنان يجب أن يتم حصراً عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية، دون تدخل أي جهة خارجية.
رئيس الحكومة اللبنانية القاضي نواف سلام شدد في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» على أن الدولة اللبنانية هي وحدها المخولة بالتفاوض حول أي ملف يمس أراضيها أو سيادتها. وقال سلام: «منذ اندلاع هذه الحرب التي فرضت علينا، كان همّنا الأول وقفها. ومع إعلان الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بمساعٍ باكستانية مشكورة، نعمل على تكثيف اتصالاتنا وجهودنا السياسية والدبلوماسية من أجل وقف إطلاق النار في لبنان. كما يهمّني التشديد على أنّ لا أحد يفاوض باسم لبنان سوى الدولة اللبنانية، ولا أحد غيرها، وذلك عبر مؤسساتها الدستورية، بما يصون سيادتها ومصالح شعبها».
وأكد سلام أن الدولة اللبنانية قامت منذ اللحظة الأولى بتعبئة كل إمكاناتها لوقف الحرب وحماية المدنيين، مشيراً إلى أن لبنان يرفض أي تفاوض يجرى نيابة عنه، وأن أي تجاوز لمؤسساته الدستورية يُعد انتهاكاً مباشرًا لسيادته. ولفت إلى أن الحكومة تبذل جهوداً دبلوماسية مع الأطراف المعنية، خصوصاً الدول التي ساهمت في تسهيل اتفاق وقف النار، لضمان تطبيقه على الأراضي اللبنانية.
من جانبه، أوضح رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري أن لبنان مشمول باتفاق وقف النار مع إيران، لكنه أشار إلى أن إسرائيل لم تلتزم حتى الآن بموجبه في مختلف المناطق اللبنانية. وقال بري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الاتفاق واضح بشأن شمول لبنان، وهذا ما يجب أن يحدث فعلياً على الأرض». وأضاف أن الجيش الإسرائيلي استمر في شن الغارات على عدة مواقع في بيروت وضواحيها، معتبراً أن هذا السلوك يشكل محاولة للتشويش على الاتفاق. وأوضح بري أنه تواصل مع الجانب الباكستاني لإبلاغه بعدم التزام تل أبيب بوقف النار، وطلب منهم الضغط على واشنطن للتأثير على إسرائيل.
وفي بيان صادر عن وزارة الخارجية، أكدت الدولة اللبنانية أن «لبنان يتحدث بصوت واحد – صوته – ولا يحق لأي جهة التفاوض باسمه سوى الدولة اللبنانية، وأي تجاوز لها يشكّل انتهاكاً مباشراً لسيادته وقراره الوطني». وأضاف البيان أن لبنان سبق وأعلن استعداده لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل بمشاركة مدنية ورعاية دولية، وأن سيادة لبنان غير قابلة للتجزئة أو المساومة، وأن خياراته الوطنية وأمنه ومستقبله السياسي تُحدَّد حصراً من قبل مؤسساته الدستورية، بعيداً عن أي تدخل خارجي.
وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من التصعيد العسكري الإسرائيلي في بيروت والمناطق المحيطة بها، حيث استهدفت الغارات الإسرائيلية مواقع مختلفة تابعة لـ«حزب الله»، بما في ذلك أحياء سكنية، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين والجرحى، إضافة إلى أضرار واسعة في البنية التحتية. وأكدت السلطات اللبنانية أن العمليات الإسرائيلية تتزامن مع وقف النار المعلن بين الولايات المتحدة وإيران، ما أثار جدلاً حول الالتزام الدولي بالاتفاق وفعالية الضمانات المقدمة.
رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون رحب بالإعلان عن وقف إطلاق النار، مشيراً إلى جهود الدول التي ساهمت في تسهيل الاتفاق، وخصوصاً باكستان ومصر وتركيا. وشدد عون على ضرورة أن يكون وقف النار خطوة أولى نحو اتفاق نهائي وشامل يحفظ سيادة كل دولة، ويمنع تفجير أي نزاعات جديدة في المنطقة. وأضاف أن غاية الحكومات هي حماية شعوبها من الموت والدمار، وأن العنف ليس وسيلة لحل الخلافات بين الدول.
وفي السياق نفسه، أشار مسؤولون لبنانيون إلى أن تطبيق وقف النار في لبنان يواجه تحديات كبيرة، أهمها استمرار الغارات الإسرائيلية على بعض المواقع اللبنانية، إضافة إلى مخاطر انفلات الوضع الأمني في المناطق الحدودية والمناطق الخاضعة لسيطرة «حزب الله». ورغم ذلك، تبذل السلطات اللبنانية جهوداً مضاعفة لاحتواء الموقف ومنع اتساع دائرة الصراع، مع التركيز على حماية المدنيين وتأمين خدمات الطوارئ والإغاثة.
ويعد موقف لبنان من الاتفاق مؤشراً على إرادة الدولة في الحفاظ على سيادتها ورفض أي محاولات للضغط أو التفاوض نيابة عنها، سواء من دول إقليمية أو أطراف دولية. ويؤكد المسؤولون أن أي اتفاق يخص وقف إطلاق النار في لبنان يجب أن يحظى بموافقة رسمية من مؤسسات الدولة، وأن أي خرق لهذه القاعدة سيعتبر تهديداً مباشراً لسيادة لبنان ومصالحه الوطنية.
كما يتزامن هذا الموقف مع مساعي دبلوماسية مستمرة من قبل لبنان لإعادة التواصل مع كل الأطراف الفاعلة في الملف الإقليمي، بما في ذلك الدول العربية والدول التي ساهمت في الاتفاق الأميركي-الإيراني، لضمان التزام الجميع بتطبيقه على الأراضي اللبنانية وحماية المدنيين. وتشير مصادر لبنانية مطلعة إلى أن الدولة تسعى لتحقيق توافق داخلي شامل حول كيفية التعامل مع الاتفاق، بما يضمن توحيد الموقف الرسمي أمام المجتمع الدولي وصد أي محاولات للتلاعب بالملف اللبناني.
ويتابع المجتمع الدولي موقف لبنان عن كثب، خصوصاً مع استمرار الضغوط الإسرائيلية على تطبيق الاتفاق، حيث يعتبر التزام تل أبيب بوقف إطلاق النار عاملاً أساسياً لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية. وفي الوقت نفسه، يشدد المسؤولون اللبنانيون على أن أي تجاوز للسيادة اللبنانية سيواجه بموقف موحد من الدولة، بما يشمل كل المؤسسات الرسمية والهيئات الدستورية.
هذا ويؤكد المراقبون أن موقف لبنان الرافض للتفاوض نيابة عنه يعكس تجربة تاريخية طويلة، شهدت خلالها البلاد محاولات لتهميش صوتها في ملفات أمنية وسياسية حساسة. ويعتبر هذا الموقف بمثابة رسالة واضحة لكل الأطراف الإقليمية والدولية، مفادها أن لبنان لن يقبل بأن تكون القرارات التي تمس أمنه وسيادته خاضعة لخيارات خارجية.
في الختام، يبقى الملف اللبناني في قلب الديناميات الإقليمية الحالية، مع تأكيد الدولة اللبنانية على سيادتها وحقها في تقرير مصيرها، وسط تحديات كبيرة على الأرض تشمل استمرار الضربات الإسرائيلية، الضغط الدولي، وضرورة حماية المدنيين وتأمين استقرار لبنان الداخلي.









