عباس عراقجي يواجه تحديات توحيد القرار الإيراني قبل مفاوضات إسلام أباد
طهران – 9 أبريل 2026 المنشر الإخبارى
تشهد التحضيرات الجارية لمحادثات إسلام أباد بين الولايات المتحدة وإيران مشهدًا داخليًا متشابكًا في طهران، يعكس تعقيدات بنية النظام الإيراني وصعوبة توحيد القرار في أوقات الأزمات. فبينما يحاول العالم مراقبة تطورات التفاوض ونتائج الهدنة التي تم التوصل إليها مؤخرًا، يبرز الواقع الداخلي لإيران صورة مختلفة، إذ لا يبدو أن ملف الهدنة والتفاوض يُدار من مركز واحد، بل عبر شبكة معقدة من المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، ما يضع علامات استفهام حول الجهة التي تملك القرار النهائي والموقف الإيراني في المرحلة المقبلة.
واجهة دبلوماسية… وقرار أمني
يتصدر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واجهة التفاوض، إذ يشغل دور الوسيط الرئيسي بين طهران وواشنطن، ويحظى بقبول نسبي داخل مؤسسات النظام الإيرانية. ويشير مراقبون إلى أن وجود عراقجي في طليعة المفاوضات يعكس الرغبة الإيرانية في تقديم صورة دبلوماسية متوازنة، لكنها في الوقت ذاته لا تعكس كل صورة القرار الداخلي، خاصة مع وجود قوى سياسية وعسكرية تقاطع صلاحياته.
ويرافق عراقجي في هذا المسار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو شخصية بارزة سابقة في الحرس الثوري، ما يعكس أن عملية التفاوض لا تجري بمنطق دبلوماسي صرف، بل ضمن إطار أمني-سياسي مشترك. هذا الترتيب يشير إلى أن قرار طهران النهائي لا يمكن اختزاله في أي شخصية واحدة، بل هو نتيجة توافق نسبي بين عدة مراكز نفوذ داخل الدولة، بما في ذلك المؤسسات الأمنية والعسكرية المؤثرة.
تؤكد مصادر رويترز أن قنوات الاتصال التي سبقت الهدنة شملت شخصيات أمنية بارزة، وهو ما يعزز الفرضية القائلة إن القرار النهائي بشأن الحرب والهدنة لم يكن بيد وزارة الخارجية وحدها، بل كان في يد شخصيات على رأس المؤسسة العسكرية والأمنية، وهو ما يبرز أهمية الحرس الثوري في إدارة الملف الإقليمي.
الحرس الثوري… اللاعب الحاسم
خلف الواجهة الرسمية، يظهر دور الحرس الثوري الإيراني بوصفه اللاعب الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الحرب والتفاوض. فقد نقلت رويترز أن الاتصالات التي سبقت التهدئة شملت شخصيات أمنية مثل أحمد وحيدي، في مؤشر على أن القرار لم يكن بيد وزارة الخارجية فعليًا، بل في يد الحرس الثوري، الذي يسيطر على مفاصل القوة الرئيسية، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، ويملك القدرة على فرض معايير معينة على أي اتفاقيات خارجية.
تحليلات صادرة عن المجلس الأطلسي تشير إلى أن الحرس الثوري يمتلك السيطرة على معظم مفاصل القوة في إيران، بما في ذلك القدرات العسكرية التقليدية والنووية، بالإضافة إلى النفوذ على الصناعات الاستراتيجية والاقتصادية، وهو ما يجعل أي مسار تفاوضي معقدًا بشكل استثنائي، إذ يتعين على أي طرف خارجي مراعاة هذا التوازن بين الجهات المختلفة داخل النظام الإيراني.
كما يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن بنية النظام الإيراني تجعل من الصعب فصل القرار السياسي عن المؤسسة العسكرية، خصوصًا في أوقات الأزمات، حيث يزداد تأثير الحرس الثوري على كل المستويات، من تخطيط العمليات العسكرية إلى رسم السياسات الاقتصادية والأمنية.
خطاب مزدوج وصلاحيات متداخلة
تنعكس هذه التعقيدات في التناقض الواضح في التصريحات الإيرانية بشأن التفاوض ووقف إطلاق النار. ففي حين يظهر عراقجي بلغة تفاوضية حذرة تدعو إلى الحلول الدبلوماسية، خرج قاليباف بتصريحات تشكك في جدوى المحادثات، معتبرًا أن الاتفاقات فقدت معناها بعد “الخروقات” التي رافقت الهدنة، بينما يرفع الحرس الثوري سقف التصريحات ويهدد بالتصعيد العسكري، وفق ما نقلت وول ستريت جورنال.
هذا التباين لا يمثل مجرد اختلاف في الأسلوب، بل يعكس تعددًا فعليًا في مراكز القرار، حيث تحاول كل جهة الحفاظ على موقعها داخل المعادلة السياسية، في ظل ضغوط داخلية متزايدة بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب، والضغوط الخارجية الناتجة عن التحركات الأمريكية والغارات الإسرائيلية الأخيرة في لبنان.
ويرى الباحث السياسي مازن بلال أن “تعدد مراكز القرار داخل طهران لا يعكس قوة بقدر ما يكشف عن ارتباك في إدارة المرحلة بعد الحرب، حيث تحاول المؤسسات المختلفة إعادة توزيع أدوارها بما يحفظ توازن النظام ويضمن استمراريته”.
ويضيف بلال أن “الدبلوماسية الإيرانية تتحرك تحت سقف أمني صارم، ما يعني أن أي تفاوض لن يكون مستقلاً، بل مرتبطًا بحسابات الحرس الثوري، وهو ما يفسر التناقض بين الانفتاح الظاهري والتشدد الفعلي في المواقف”.
ويشير إلى أن هذا المشهد يعكس محاولة طهران للجمع بين خيارين متناقضين: التفاوض لتخفيف الضغوط الدولية، والحفاظ على خطاب القوة داخليًا، ما يجعل موقفها أقل وضوحًا وأكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الدولية.
ارتباك مراكز القرار
تعدد مراكز القرار داخل إيران يخلق بيئة معقدة للسياسات الداخلية والخارجية على حد سواء. فبينما يحاول النظام الإيراني تقديم موقف متماسك في المحافل الدولية، تكشف المشاورات الداخلية والتصريحات المتناقضة عن صعوبة التحكم الكامل في مسار الأحداث. هذا الواقع يجعل من مفاوضات إسلام أباد اختبارًا مزدوجًا: اختبار قدرة إيران على التوصل إلى اتفاق، واختبار قدرتها على توحيد قرارها الداخلي أمام الضغوط الإقليمية والدولية.
ويشير خبراء إلى أن هذا الواقع يشكل تحديًا كبيرًا للدبلوماسية الأمريكية، إذ يتعين عليها التعامل مع شبكة معقدة من الجهات الإيرانية، تتراوح بين شخصيات رسمية ودبلوماسية، وقيادات عسكرية، ومؤسسات اقتصادية لها تأثيرها على القرار السياسي.
كما يعكس هذا الوضع هشاشة موقف إيران في مفاوضات إسلام أباد، حيث يظهر التناقض بين الموقف الرسمي الذي يقدمه العراقجي، والمواقف المتشددة التي تعكسها تصريحات قاليباف والحرس الثوري، ما يجعل من الصعب على طهران فرض شروطها بوضوح.
السياسة الداخلية والضغط الخارجي
تتزامن مفاوضات إسلام أباد مع تصاعد الغارات الإسرائيلية على لبنان، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد على موقف إيران، إذ يربط المجتمع الدولي بين الهدنة في الملف الإيراني وإمكانية انتقال التصعيد إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
وفي ظل هذه التطورات، تواجه إيران ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، بما في ذلك ضغوط اقتصادية ناجمة عن العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات، بالإضافة إلى الضغوط الإقليمية التي تهدد مصالحها في سوريا ولبنان والعراق واليمن.
ويعتبر الخبراء أن القدرة على التفاوض تحت هذه الظروف تتطلب تنسيقًا داخليًا دقيقًا، وهو ما يبدو غير متاح بشكل كامل في طهران، بسبب تعدد مراكز القرار وتداخل السلطات الأمنية والسياسية.
التحديات أمام المفاوضات
تفرض هذه البيئة تحديات كبيرة على محادثات إسلام أباد. فإيران بحاجة إلى تقديم موقف متماسك يمكن الاعتماد عليه من قبل الأطراف الدولية، بينما يجب عليها أيضًا الحفاظ على توازن القوى الداخلية بين المؤسسات المختلفة.
ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن نجاح أي تفاوض يتوقف على قدرة طهران على إدارة الصلاحيات المتداخلة بين وزارة الخارجية والحرس الثوري والبرلمان والمرشد الأعلى، وهو ما لم يتضح بعد إذا كان متاحًا في المرحلة الحالية.
كما أن هذه التحديات تنعكس على إمكانية التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، إذ أن أي اتفاق قد يكون هشًا إذا لم يتمكن النظام الإيراني من توحيد قراره الداخلي، خاصة في ظل استمرار الضغوط العسكرية والإقليمية.
دور المؤسسات العسكرية في القرار
يلعب الحرس الثوري دورًا مركزيًا في إدارة الأزمة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، ويعتبر اللاعب الرئيسي في تحديد مسار الحرب والتفاوض. فقد أظهرت التجارب السابقة أن أي قرار يتعلق بالأمن القومي لا يمكن أن يتم دون موافقة الحرس الثوري، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الجانب الدبلوماسي لإيران.
كما يشير خبراء إلى أن الحرس الثوري يمتلك القدرة على التأثير على الاقتصاد الإيراني من خلال التحكم في قطاعات استراتيجية، وهو ما يمنحه ورقة ضغط مهمة في أي مفاوضات.
الصورة المستقبلية
في ظل هذه التعقيدات، تبدو إيران أقل قدرة على فرض شروطها في مفاوضات إسلام أباد، وأكثر ميلاً للتفاوض تحت ضغط الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، مع ضرورة مراعاة مصالح الحرس الثوري والمؤسسات العسكرية الأخرى.
ويتابع المجتمع الدولي عن كثب هذه المفاوضات، إذ أن أي مؤشر على توحيد القرار الإيراني أو استمرار التباين في المواقف سيكون له انعكاسات مباشرة على استقرار المنطقة، وعلى نتائج الهدنة مع الولايات المتحدة، وكذلك على الملف اللبناني الذي شهد تصعيدًا غير مسبوق.
تعدد مراكز القرار في طهران، وتداخل صلاحيات الدبلوماسية مع نفوذ المؤسسة العسكرية، يشكلان بيئة معقدة أمام مفاوضات إسلام أباد، ويضعان قيودًا كبيرة على قدرة إيران على التفاوض بشكل مستقل وفعال. وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي اتفاق قد يتم التوصل إليه سيكون هشًا في البداية، ويعتمد على قدرة طهران على توحيد قرارها الداخلي، وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، وضرورة التعامل مع تداعيات الغارات الإسرائيلية على لبنان، والتحركات الأمريكية في المنطقة.
ويبدو أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت إيران قادرة على تحقيق توازن بين الضغوط الدولية والحفاظ على النفوذ الداخلي للحرس الثوري، وبين تقديم موقف تفاوضي موحد وفعال في مفاوضات إسلام أباد، أم ستستمر حالة التباين في المواقف، ما يزيد من هشاشة الاتفاقات المستقبلية.










