بكين – 9 أبريل 2026 – المنشر الإخباري
في الوقت الذي أعلنت فيه واشنطن عن تقدم ملموس في مفاوضاتها مع إيران بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في منطقة الخليج، تبقي الصين على موقفها الحذر والدبلوماسي، مكتفية بالتصريحات العامة وتجنّب الخوض في التفاصيل المباشرة، في ما يراه خبراء محاولة لإبراز نفسها كوسيط مسؤول وبديل محتمل للولايات المتحدة في إدارة الأزمات الإقليمية الكبرى.
وقد أكد البيت الأبيض أن هناك تنسيقاً مستمراً على أعلى المستويات بين واشنطن وبكين منذ اندلاع التوترات الأخيرة في الخليج، مشيراً إلى أن بكين لعبت دوراً فاعلاً في تشجيع طهران على الدخول في مفاوضات مباشرة. ومع ذلك، اكتفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، بالقول إن بلادها “عملت بنشاط لإنهاء الصراع” دون الإفصاح عن تفاصيل الوسائل أو الأساليب التي استخدمتها في هذه العملية.
هذا التحفظ الصيني جاء في وقت تزداد فيه الحاجة إلى استقرار إقليمي، بعد تصعيد عسكري متواصل بين إسرائيل ولبنان، وما رافقه من تهديدات متكررة من الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي يهدد الملاحة العالمية ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي. ويبدو أن بكين تسعى من خلال صمتها النسبي إلى الحفاظ على موقعها كلاعب دولي محايد قادر على حماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة، وفي الوقت نفسه تقديم نفسها كوسيط مسؤول في النزاعات الكبرى.
استراتيجية الصمت والنفوذ الناعم
يشير محللون إلى أن الصمت الصيني لا يعني غياب النشاط، بل هو استراتيجية محسوبة لتأكيد تأثيرها العالمي عبر ما يُعرف بـ “القوة الناعمة”. وقد كشفت وزارة الخارجية الصينية مؤخراً عن 26 مكالمة هاتفية أجراها كبير الدبلوماسيين، وانغ يي، مع قادة العالم منذ بداية الأزمة، في محاولة لتسليط الضوء على الدور الصيني في متابعة النزاع وإقناع الأطراف بالالتزام بالهدنة. وشملت هذه المكالمات قادة دول الخليج، المسؤولين الإيرانيين، ورؤساء بعض الدول الآسيوية والأوروبية التي لها مصالح مباشرة في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية بكين لإظهار قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى دون الانخراط العسكري المباشر، وهي سياسة تكسبها احتراماً دولياً وتضعها في موقع محوري ضمن خارطة القوى العالمية. وتوضح هذه الاستراتيجية حرص الصين على تقديم نفسها كوسيط موثوق، مع الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع إيران وباكستان، وهو ما يمنحها نفوذاً إضافياً في توجيه مسار المفاوضات.
العلاقات الاقتصادية والسياسية: مفتاح التأثير الصيني
تعد الصين أكبر شريك تجاري لإيران، ما يمنحها قدرة فريدة على التأثير في القرارات الإيرانية، مقارنة بالدول الأخرى التي تحاول التوسط بين طهران وواشنطن. وفي الوقت نفسه، تستفيد بكين من علاقتها الاستراتيجية مع باكستان، الدولة المضيفة لمحادثات السلام المقررة يوم السبت، والتي من المتوقع أن يحضرها وفود دبلوماسية رفيعة من الطرفين، بما في ذلك مسؤولون أميركيون كبار مثل نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر، فيما يمثل الجانب الإيراني وفد رفيع من كبار المسؤولين الدبلوماسيين.
ويعتمد صمت الصين أيضاً على طريقة إدارة وسائل الإعلام الرسمية، حيث ركزت على تعزيز صورة البلاد كلاعب دولي قادر على التعامل مع الأزمات عبر القنوات الدبلوماسية، بعيداً عن الانخراط المباشر في التوترات العسكرية أو التصعيد الإعلامي، ما يعكس حرص بكين على تفادي أي اتهامات محتملة بالانحياز أو التدخل العدواني.
الموقف الأميركي: الاعتراف بالدور الصيني
من جانبها، أكدت الإدارة الأميركية على أهمية الدور الصيني، إذ صرح الرئيس دونالد ترامب بأن بكين لعبت دوراً حاسماً في إقناع طهران بوقف التخصيب النووي مؤقتاً والمشاركة في المفاوضات. كما شددت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، على استمرار القنوات الدبلوماسية مع بكين لضمان سير عملية السلام كما هو مخطط لها، مؤكدة أن التعاون الأميركي الصيني في هذا الملف يعد محورياً للحفاظ على استقرار منطقة الخليج ومنع أي تصعيد قد يؤثر على التجارة العالمية أو أمن الطاقة.
التحديات الإقليمية والتهديدات البحرية
على صعيد آخر، ما زالت التوترات في المنطقة تشكل تهديداً حقيقياً لاستقرار الهدنة، خاصة بعد الخروقات المستمرة من قبل إسرائيل في لبنان، وتحذيرات الحرس الثوري الإيراني بشأن أي استهداف للملاحة البحرية في مضيق هرمز، وهو الممر الاستراتيجي لنقل النفط عالمياً. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية بشأن تأثير استمرار التوترات على أسعار النفط والأسواق المالية العالمية.
باكستان: المضيف والداعم للمفاوضات
تلعب باكستان دوراً مركزياً في هذا الملف، إذ تستعد لاستضافة الجولة الرسمية لمحادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، وهي المحطة التي من المتوقع أن تحدد مسار عملية الهدنة على المدى الطويل. وبجانب الدور الصيني، يُنظر إلى باكستان كلاعب أساسي لضمان استقرار المفاوضات، بفضل علاقتها الاستراتيجية مع كل من طهران وبكين، وتاريخها الطويل في الوساطة الإقليمية.
مستقبل الهدنة والنموذج الصيني
في الختام، تشير المؤشرات الحالية إلى أن استراتيجية الصين في الحفاظ على صمت نسبي مع التركيز على الوساطة الاقتصادية والدبلوماسية قد تكون عنصرًا حاسماً لضمان استمرار هدنة موسعة في المنطقة، مع تعزيز مكانتها كلاعب عالمي قادر على التأثير في مسارات الأزمات دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة. ويُنظر إلى هذا الأسلوب كإطار محتمل لنموذج جديد في إدارة الأزمات الدولية، يجمع بين النفوذ الاقتصادي والقوة الناعمة والقدرة على التوسط بفعالية بعيداً عن التصعيد العسكري، وهو ما قد يشكل مستقبل الوساطة الدولية في السنوات المقبلة.










