كوريا الشمالية تُسرك جنوداً مبكراً وتدفعهم للعمل فى روسيا فى خطوة أثارت جدلا واسعا وإنقسام داخل البلاد
موسكو – المنشر الإخبارى
كشفت تقارير إعلامية دولية عن قيام كوريا الشمالية بتسريح عدد من جنودها قبل انتهاء مدة خدمتهم العسكرية الرسمية، ثم إعادة توجيههم للعمل في روسيا ضمن برامج عمل خارجية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل البلاد، وانقساماً واضحاً بين الأسر بين من يعتبرها فرصة اقتصادية، ومن يراها مخاطرة كبيرة على حياة أبنائهم.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام، من بينها موقع “ديلي إن كيه”، فإن السلطات في بيونغ يانغ اختارت مجموعات من الجنود الذين أمضوا ما بين سبع إلى ثماني سنوات في الخدمة العسكرية، وينتمون إلى وحدات في منطقتي ريانغانغ وجاغانغ شمالي البلاد، حيث جرى تسريحهم رسمياً في نهاية الشهر الماضي، قبل نقلهم مباشرة إلى روسيا للعمل هناك.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن السلطات لم تكشف عن أعداد هؤلاء الجنود بشكل دقيق، كما لم تُعلن تفاصيل واضحة بشأن طبيعة الأعمال التي سيقومون بها أو مواقع تواجدهم داخل روسيا، إلا أن تقارير سابقة تؤكد أن العمال الكوريين الشماليين في الخارج غالباً ما يتم توظيفهم في أعمال البناء والمشروعات الإنشائية، إضافة إلى أعمال شاقة في قطاعات البنية التحتية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع من اعتماد كوريا الشمالية على إرسال عمال إلى الخارج بهدف الحصول على العملات الأجنبية، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها، والتي تحد من قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية. وتُعد روسيا واحدة من أبرز الوجهات التي تستقبل عمالة كورية شمالية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل تطور العلاقات بين البلدين وتزايد التعاون في مجالات متعددة.
وأثارت هذه السياسة ردود فعل متباينة داخل المجتمع الكوري الشمالي، حيث انقسمت عائلات الجنود بين مؤيد ومعارض. فبعض الأسر ترى أن العمل في روسيا قد يمثل فرصة حقيقية للحصول على دخل بالعملة الأجنبية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، وندرة الفرص الداخلية.
في المقابل، عبّر عدد من الأهالي عن قلقهم من إرسال أبنائهم إلى الخارج دون وضوح كافٍ بشأن ظروف العمل أو مستوى الحماية الذي سيحصلون عليه، خاصة في ظل غياب معلومات رسمية حول العقود الموقعة أو الجهات المسؤولة عن متابعة أوضاعهم أثناء وجودهم في روسيا.
ويرى مؤيدون لهذه الخطوة أن العمل في الخارج قد يكون خياراً أفضل من إعادة توزيع الجنود المسرّحين داخل البلاد على وظائف إجبارية شاقة، مثل العمل في المناجم أو المزارع التعاونية، وهي برامج تُعرف داخل كوريا الشمالية بأنها جزء من نظام إعادة التوظيف بعد الخدمة العسكرية، وتُفرض على بعض الفئات من الجنود السابقين.
لكن في المقابل، يرى المعارضون أن إرسال الجنود إلى الخارج قد يزيد من حالة الغموض حول مصيرهم، خاصة في ظل عدم توفر آليات رقابة دولية مباشرة على أوضاع العمال الكوريين الشماليين في الخارج، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن ظروف العمل والسلامة وحقوق الإنسان.
وتشير تقارير دولية إلى أن كوريا الشمالية تعتمد منذ سنوات على تصدير العمالة إلى الخارج، خصوصاً إلى روسيا والصين وبعض الدول الآسيوية، بهدف تأمين مصادر دخل بالعملة الصعبة، في وقت تعاني فيه البلاد من عقوبات اقتصادية صارمة تحد من قدرتها على التصدير والاستيراد.
ورغم أن هذا النموذج يوفّر دخلاً مهماً للدولة، إلا أنه يظل محل انتقادات دولية متكررة، حيث ترى منظمات حقوقية أن بعض العمال يتم إرسالهم في ظروف غير شفافة، مع محدودية في حرية الحركة وضعف في الحماية القانونية، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه البرامج ومدى توافقها مع المعايير الدولية للعمل.
وفي هذا السياق، تبدو خطوة تسريح جنود وإرسالهم مباشرة إلى روسيا امتداداً لسياسة أوسع تعتمدها بيونغ يانغ في السنوات الأخيرة، تقوم على الاستفادة من القوى العاملة في الخارج لتعويض الضغوط الاقتصادية الداخلية، مع الحفاظ على مصادر عملة أجنبية تدعم الاقتصاد الوطني.
ومع استمرار هذه السياسات، تبقى حالة الانقسام داخل المجتمع الكوري الشمالي قائمة، بين من يرى في العمل الخارجي نافذة أمل لتحسين الدخل، ومن يخشى من تداعياته على الأمن الشخصي ومستقبل الأسر، في ظل غياب معلومات واضحة أو شفافة حول مصير هؤلاء الجنود بعد مغادرتهم البلاد.
وفي النهاية، يعكس هذا التطور جانباً من تعقيدات الوضع الاقتصادي والسياسي في كوريا الشمالية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحاجة الاقتصادية، في مشهد يظل محاطاً بالكثير من الغموض والتكهنات حول مستقبل هذه السياسة ومدى توسعها خلال المرحلة المقبلة.










