انقسام حاد في اليمين الأمريكي بين مؤيدي الحرب ومعارضيها
واشنطن – المنشر الإخبارى
تشهد الساحة السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة واحدة من أكثر لحظات التوتر داخل معسكر اليمين المحافظ، بعد أن فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة جدل واسعة إثر هجومه العلني على عدد من أبرز الأصوات الإعلامية الداعمة سابقاً لخطابه السياسي، وفي مقدمتهم ميغين كيلي وتاكر كارلسون. ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس يتزايد فيه النقاش داخل واشنطن حول مستقبل السياسة الأميركية تجاه إيران، وحدود التدخل العسكري في الشرق الأوسط، وهو ملف بات يشكل خط صدع واضح داخل التيار المحافظ نفسه.
الهجوم الذي أطلقه ترامب لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل حمل طابعاً سياسياً واضحاً يعكس حالة التوتر داخل معسكره، حيث اتهم منتقديه بأنهم “أغبياء” و”ذوو ذكاء منخفض”، في تصريحات نشرها عبر منصته “تروث سوشيال”. هذه اللغة الحادة، التي اعتاد ترامب استخدامها في معاركه السياسية والإعلامية، بدت هذه المرة أكثر ارتباطاً بصراع داخلي حول اتجاه السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً مع تصاعد الجدل حول إمكانية الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران.
خلفيات الأزمة: إيران كخط صدع داخل اليمين الأميركي
تعود جذور هذا الانقسام إلى التباين المتزايد داخل التيار المحافظ حول مفهوم “أميركا أولاً”، الذي رفعه ترامب شعاراً لسياساته منذ دخوله المعترك السياسي. ففي حين يرى جناح داخل هذا التيار أن القوة الأميركية يجب أن تُستخدم بشكل صارم وحاسم لردع الخصوم، خصوصاً إيران، يتبنى جناح آخر رؤية أكثر تحفظاً، تحذر من الانجرار إلى حروب خارجية جديدة قد تستنزف الولايات المتحدة على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
هذا التباين تفاقم بشكل واضح مع تصاعد التوتر في الملف الإيراني خلال الفترة الأخيرة، حيث برزت أصوات إعلامية محافظة بارزة، مثل تاكر كارلسون وميغين كيلي، تنتقد بشدة أي توجه نحو التصعيد العسكري، معتبرة أن مثل هذا المسار يتناقض مع الوعود الانتخابية التي قامت على تقليل التدخلات الخارجية. هذه الانتقادات وضعت ترامب في مواجهة غير تقليدية مع جزء من القاعدة الإعلامية التي كانت تعد من أبرز داعميه.
ميغين كيلي وتاكر كارلسون في قلب العاصفة
برز اسم ميغين كيلي بقوة في هذا الجدل بعد تصريحاتها التي أثارت ردود فعل واسعة، إذ انتقدت بشدة الأداء السياسي في التعامل مع الملف الإيراني، واعتبرت أن بعض الرهانات الاستراتيجية القائمة على فكرة “تغيير النظام” في طهران ليست سوى “أوهام سياسية” لا تستند إلى واقع عملي. كما أشارت إلى أن التجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار، بل قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية ممتدة.
وفي سياق متصل، وجهت كيلي انتقادات غير مباشرة إلى العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ملمحة إلى أن بعض القرارات الأميركية تبدو متأثرة بحسابات خارجية، وهو ما اعتبره مؤيدو ترامب تجاوزاً لخطوط حساسة في النقاش السياسي.
أما تاكر كارلسون، فقد حافظ على خط نقدي واضح تجاه أي تصعيد عسكري محتمل، مؤكداً في أكثر من مناسبة أن الأولوية يجب أن تبقى للداخل الأميركي، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة. ويرى كارلسون أن الانخراط في صراع مع إيران قد يعيد الولايات المتحدة إلى سيناريوهات مشابهة لحروب العراق وأفغانستان، التي خلفت كلفة بشرية ومادية ضخمة دون تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة.
رد ترامب: محاولة لإعادة ضبط الخطاب داخل معسكره
في المقابل، جاء رد ترامب ليعكس رغبة واضحة في إعادة ضبط إيقاع الخطاب داخل معسكره السياسي، ومنع تزايد الأصوات المعارضة لسياساته في ملف إيران من التحول إلى تيار مؤثر داخل القاعدة المحافظة. ووفقاً لقراءة عدد من المحللين، فإن هذا الهجوم العلني لا يستهدف فقط كيلي وكارلسون كشخصيات إعلامية، بل يهدف أيضاً إلى توجيه رسالة أوسع مفادها أن الانقسام داخل التيار المحافظ لن يُسمح له بأن يتحول إلى عامل إضعاف سياسي في مرحلة حساسة.
كما أن توقيت التصعيد يعكس إدراكاً متزايداً لدى ترامب بأن ملف إيران أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل الأميركي، ليس فقط على مستوى السياسة الخارجية، بل أيضاً على مستوى التوازنات الانتخابية داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن لهذا الملف أن يؤثر على مزاج الناخبين المحافظين والمستقلين على حد سواء.
دور نتنياهو في الجدل المتصاعد
ضمن سياق هذا الجدل، عادت إلى الواجهة أيضاً مسألة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، بعد أن ألمحت بعض الأصوات المنتقدة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلعب دوراً في توجيه بعض مسارات القرار الأميركي تجاه إيران. هذه الاتهامات، رغم عدم إثباتها بشكل مباشر، ساهمت في تأجيج النقاش داخل التيار المحافظ، وأعطت زخماً إضافياً للانقسام بين مؤيدين للتصعيد العسكري ومعارضين له.
قاعدة ترامب بين الدعم والانقسام
رغم حدة الجدل، تشير استطلاعات رأي إلى أن قاعدة ترامب الأساسية ما زالت تميل إلى دعمه في ملف إيران، وهو ما يمنحه هامشاً سياسياً لمواصلة خطابه المتشدد. غير أن هذا الدعم لا يلغي حقيقة وجود انقسام متزايد داخل التيار المحافظ، خصوصاً بين الأجيال الجديدة من الإعلاميين والناشطين السياسيين الذين باتوا أكثر تشككاً في جدوى التدخلات العسكرية الخارجية.
هذا الانقسام لا يقتصر على النخبة الإعلامية، بل يمتد إلى شرائح من الناخبين المحافظين الذين باتوا أكثر حساسية تجاه قضايا الاقتصاد الداخلي والهوية الوطنية، مقارنة بملفات السياسة الخارجية التقليدية.
مشهد مفتوح على مزيد من التصعيد
في المحصلة، يبدو أن المواجهة بين ترامب وخصومه داخل معسكره ليست سوى بداية لمرحلة أكثر تعقيداً من الجدل السياسي داخل الولايات المتحدة، حيث يتداخل الملف الإيراني مع أسئلة أعمق حول هوية السياسة الخارجية الأميركية ومستقبل الدور الأميركي في العالم.
ومع استمرار التوتر في المنطقة، يبقى احتمال تصاعد هذا الخلاف قائماً، خصوصاً إذا ما تطورت الأحداث ميدانياً، ما قد يضع الإدارة الأميركية أمام اختبار صعب بين الحفاظ على وحدة خطابها الداخلي، أو مواجهة مزيد من الانقسام داخل أحد أهم معسكراتها السياسية.










