بكين تعتمد معايير إدراج جديدة لدعم الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وتواكبها هونغ كونغ بإطلاق أول تراخيص للعملات المستقرة للبنوك الكبرى
بكين – المنشر الإخباري
في خطوة تعكس تصاعد حدة المنافسة التكنولوجية والمالية بين الصين والولايات المتحدة، أعلنت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية عن توسيع قواعد إدراج الشركات الناشئة في بورصة «تشينكست»، المخصصة أساسًا للشركات المبتكرة، في إطار توجه أوسع لتعزيز الابتكار المحلي وتوفير تمويل مرن للقطاعات المستقبلية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
ويأتي هذا التوسع في لحظة حساسة يشهد فيها العالم إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد الرقمي، حيث تتحول التكنولوجيا المتقدمة من مجرد قطاع اقتصادي إلى ساحة تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى، ما يدفع بكين إلى إعادة هندسة أدواتها المالية لدعم شركاتها الناشئة في مواجهة القيود الأمريكية المتزايدة على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
إصلاحات جديدة لتمويل “اقتصاد المستقبل”
أوضحت الهيئة الصينية أن حزمة المعايير الجديدة تمثل المجموعة الرابعة من قواعد الإدراج في بورصة «تشينكست»، وتهدف إلى استيعاب عدد أكبر من الشركات الناشئة ذات الطابع الابتكاري، خاصة تلك التي لا تزال في مراحل النمو الأولى وتعتمد على استثمارات ضخمة قبل تحقيق أرباح فعلية.
وتقوم الفلسفة التنظيمية الجديدة على إعادة تعريف مفهوم “جدارة الإدراج”، بحيث لا يكون الربح الحالي شرطًا أساسيًا، بل تُمنح الأولوية لمؤشرات النمو والابتكار وقابلية التوسع، وهو ما يعكس تحولًا في رؤية بكين لسوق المال من كونه أداة تقليدية للربحية إلى منصة استراتيجية لدعم التكنولوجيا.
وتشترط المعايير الجديدة أن تمتلك الشركات قيمة سوقية متوقعة لا تقل عن 3 مليارات يوان، مع إيرادات سنوية لا تقل عن 200 مليون يوان، ونمو مركب لا يقل عن 30% خلال ثلاث سنوات، وهو ما يضع إطارًا انتقائيًا يستهدف الشركات ذات الإمكانات العالية في الصناعات الناشئة.
سباق تكنولوجي مع واشنطن
يأتي هذا التحرك في ظل اشتداد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة على السيطرة على مفاتيح التكنولوجيا المستقبلية، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والحوسبة المتقدمة.
وتسعى واشنطن من جانبها إلى فرض قيود على تصدير التقنيات الحساسة إلى الصين، بينما ترد بكين عبر تعزيز استقلالها المالي والتكنولوجي، وخلق منظومة تمويل داخلية قادرة على دعم الابتكار دون الاعتماد على الأسواق الغربية.
ويرى محللون أن توسعة «تشينكست» تمثل جزءًا من استراتيجية صينية أوسع تهدف إلى تحويل سوق المال إلى أداة دعم مباشر للسياسة الصناعية، وليس مجرد منصة استثمارية تقليدية.
الحكومات المحلية تدخل على الخط
ضمن التعديلات الجديدة، أعلنت الهيئة التنظيمية عن منح دور أكبر للحكومات المحلية في ترشيح الشركات المؤهلة للإدراج، في خطوة تعكس رغبة بكين في دمج السياسات الإقليمية مع استراتيجية الابتكار الوطنية.
كما ستُسمح الشركات المدرجة بإصدار أدوات مالية جديدة مثل سندات الابتكار والسندات الخضراء، في محاولة لخلق دورة تمويل متكاملة تدعم الشركات من مرحلة الفكرة وحتى التوسع العالمي.
هونغ كونغ تدخل عصر العملات المستقرة
بالتوازي مع الإصلاحات في البر الرئيسي، شهدت هونغ كونغ تطورًا لافتًا في قطاع الأصول الرقمية، حيث منحت هيئة النقد أول تراخيص لإصدار العملات المستقرة المدعومة بالعملات الورقية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في المدينة.
وشملت التراخيص بنوكًا كبرى، من بينها «إتش إس بي سي» ومشروع مشترك بقيادة «ستاندرد تشارترد»، لإصدار عملات مستقرة مرتبطة بدولار هونغ كونغ، ضمن إطار تنظيمي جديد دخل حيز التنفيذ مؤخرًا.
وتُعد العملات المستقرة نوعًا من الأصول الرقمية المصممة للحفاظ على قيمة ثابتة، وغالبًا ما تُربط بعملات تقليدية، ما يجعلها أداة محتملة لتوسيع نطاق المدفوعات الرقمية عبر الحدود، مع تقليل تقلبات العملات المشفرة التقليدية.
بين الابتكار والرقابة
ورغم الانفتاح النسبي، أكدت السلطات النقدية في هونغ كونغ أن النهج التنظيمي سيبقى “منفتحًا ولكن حذرًا”، في إشارة إلى المخاوف المرتبطة بغسل الأموال والاستقرار المالي.
وأوضحت أن عدد التراخيص المستقبلية سيكون محدودًا للغاية، رغم تلقي عشرات الطلبات من مؤسسات مالية وشركات تقنية، ما يعكس محاولة موازنة دقيقة بين دعم الابتكار والحفاظ على الرقابة الصارمة.
تحول في البنية المالية العالمية
يرى خبراء أن هذه التحركات المزدوجة في بكين وهونغ كونغ تعكس تحولًا أعمق في البنية المالية للصين، حيث يتم بناء نظام متكامل يجمع بين تمويل الابتكار التقليدي عبر البورصات، والتمويل الرقمي عبر العملات المستقرة والأصول المشفرة المنظمة.
كما تعكس هذه السياسات رغبة صينية في تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في المعاملات الدولية، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والعقوبات المتبادلة بين القوى الكبرى.
منافسة طويلة المدى
في ظل هذا المشهد، يبدو أن المنافسة بين بكين وواشنطن لم تعد تقتصر على التجارة أو الرسوم الجمركية، بل انتقلت إلى قلب النظام المالي والتكنولوجي العالمي، حيث تلعب البورصات، والعملات الرقمية، وشركات الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية في تشكيل موازين القوى.
وبينما تراهن الصين على دمج الدولة بالسوق لدعم الابتكار، تواصل الولايات المتحدة الاعتماد على قوة القطاع الخاص والهيمنة التكنولوجية، ما يجعل الصراع بين النموذجين مفتوحًا على احتمالات طويلة المدى.










