في قراءة تحليلية معمقة للمشهد اليمني وتفاعلاته مع التوترات الإقليمية الأخيرة، قدمت الباحثة في الشأن اليمني، فاطمة أبو الأسرار، رؤية نقدية حول سلوك جماعة الحوثيين عقب إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.
وأشارت أبو الأسرار في سلسلة تغريدات عبر منصة “إكس” إلى أن هذا التوقف لم يهمش الحوثيين كما كان متوقعا، بل وفر لهم “منصة استراتيجية” لمحاولة إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج والبحر الأحمر.
عبد الملك الحوثي: هدنة واشنطن وطهران “انتصار عظيم”
البوابة الخلفية والنفوذ “المتضخم”
ترى أبو الأسرار أن الحوثيين يستغلون حالة التهدئة الحالية للتموضع عند “البوابة الخلفية” للمنطقة، مما يمنحهم نفوذا على الممرات المائية الدولية يفوق قدراتهم العسكرية واللوجستية الفعلية.
الهدف من ذلك، بحسب الباحثة، هو ترسيخ “حق فيتو” دائم لصالح ما يسمى بـ “المحور” على الملاحة في البحر الأحمر، وتحويله إلى ورقة ضغط سياسية لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية المباشرة.
حرب إيران 2026.. اليمن يحذر من تحرك الحوثي لضرب ملاحة البحر الأحمر
ومع ذلك، تلفت الباحثة الانتباه إلى وجود “اضطراب لا يمكن إنكاره” داخل صفوف الحركة. فقد تسبب غياب المرشد الأعلى الإيراني في خلق فراغ فوري وحالة من الغموض الاستراتيجي، تضاف إلى خسارة حكومتهم في العام الماضي، مما يضع الجماعة في مواجهة لحظة تاريخية من عدم اليقين العميق حول مستقبل الدعم والتوجه.
تكتيك البقاء: من الصواريخ إلى الحشود
تعتبر أبو الأسرار أن وقف إطلاق النار الحالي هو بمثابة “طوق نجاة” وقرار للبقاء، فقد أدرك قادة الحوثيين أن العمليات العسكرية الظاهرة تجعلهم أهدافا سهلة للاستهداف الفوري. لذا، تحولوا إلى تنظيم التجمعات المسلحة الضخمة التي تظهر القوة “دون مخاطرة”، بدلا من إطلاق الصواريخ الذي يعني “التصفية الفورية”.
عبد الملك الحوثي: اليمن يتضامن بالكامل مع إيران ويعلن إستعداده لأي تطورات عسكرية
وعلى الرغم من أن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا قد ينعش حماس الحوثيين، إلا أن خطوط الإمداد الحيوية تظل معرضة للخطر، فمبايعة “الإمام الجديد” لا تعني بالضرورة توفر العناصر الخارجية اللازمة للحفاظ على الترسانة العسكرية، في ظل عزلة الحركة وتضرر شبكات التهريب.
الحرب نحو الداخل: إخضاع الشعب بدلا من قتال أمريكا
في نقطة جوهرية، كشفت أبو الأسرار أن الحوثيين، بينما يراقب العالم تحركاتهم الساحلية، يركزون جهودهم الحقيقية على الأرض. فهم يقومون بتدريب آلاف المدنيين عسكريا وتجهيز أنفسهم لـ “حرب داخلية” تستهدف الشعب اليمني.
وبحسب تحليلها، فإن خطاب الحوثيين موجه نحو البحر، لكن حشدهم الحقيقي مصمم لترسيخ السيطرة على أكثر من 20 مليون يمني في الشمال.
خاص| حرب إيران: الحوثيون يفتحون جبهة القرن الأفريقي ضد أمريكا وإسرائيل والإمارات
ويسعى الحوثيون حاليا للعمل كـ “جهاز دولة” بهدف فرض الضرائب وضبط سلوك السكان، بعدما أدركوا أن “كهوف الجبال” لم تعد صالحة لإيواء بيروقراطية حاكمة. والحسابات المنطقية لديهم تشير إلى أن “إخضاع اليمنيين أكثر أمانا وجدوى من قتال الأمريكيين”.
آلة إعلامية وتضخيم لـ “النصر”
استغل الحوثيون كل دقيقة في وقف إطلاق النار لإظهار “إجماع ضمني” مع الرواية الإيرانية. فبينما أثار “المجلس السياسي” مسألة السيادة على باب المندب، دعت وزارة خارجيتهم دول الخليج لإعادة النظر في تحالفاتها مع واشنطن.
وقامت وسائل إعلامهم ببث وتحليل الانتقادات الذاتية الأمريكية والإسرائيلية بحماس، في محاولة لصناعة انتصار معنوي يعوض تراجع مكانتهم الإقليمية لولا الحرب الإيرانية.
تحذير أمريكي.. كواليس تراجع الحوثيين عن المشاركة في حرب إيران
خطاب عبد الملك الحوثي: “معادلة الإفلات من العقاب”
في خطابه الأخير بتاريخ 9 أبريل، والذي نقلته وكالة “سبأ”، حاول زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي تصوير اليمن كلاعب أساسي في المحور، مؤكدا أن زمن “الإفلات من العقاب” بالنسبة لواشنطن وإسرائيل قد ولى.
وهنأ إيران مشيدا بإغلاق مضيق هرمز كأهم ورقة ضغط.
وعلى أرض الواقع، ترجمت الجماعة هذا الخطاب عبر مسيرات مسلحة في صنعاء لجمع التبرعات تحت مسمى “دعم القوات البحرية والجوية”.
وترى أبو الأسرار أن هذا الحشد للموارد المحلية يهدف في الحقيقة إلى جمع الأموال من السكان الجوعى لتمويل عمليات العنف والتهريب، مما يضع مقدرات الشعب اليمني بالكامل في خدمة حملة إيران الإقليمية الأوسع، بعيدا عن أي مصلحة وطنية يمنية حقيقية.










