لندن – المنشر الإخباري
تتزايد التحذيرات الصادرة عن مؤسسات مالية دولية بشأن التداعيات الاقتصادية المتصاعدة للصراع الدائر في الشرق الأوسط، في ظل مؤشرات على أن الأزمة لم تعد محصورة جغرافيًا، بل امتدت آثارها لتشكل ضغطًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد ومعدلات التضخم.
وفي أحدث تقييمات البنك الدولي، حذّر رئيس مجموعة البنك الدولي Ajay Banga من أن استمرار حالة عدم الاستقرار أو انهيار أي هدنة هشة قد يؤدي إلى موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية العالمية، مع انعكاسات مباشرة على معدلات النمو والتضخم وأسعار الطاقة.
اضطراب واسع في أسواق الطاقة
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الحرب أدت بالفعل إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 50% نتيجة اضطراب الإمدادات وتزايد المخاطر الجيوسياسية في مناطق الإنتاج والنقل. ولم تقتصر التداعيات على النفط فقط، بل امتدت لتشمل الغاز الطبيعي والأسمدة والهيليوم، إضافة إلى تأثيرات ملحوظة على قطاعات السياحة والنقل الجوي وسلاسل التوريد العالمية.
ويؤكد البنك الدولي أن هذه التطورات تعكس بداية ما يشبه “تأثير الدومينو”، حيث تنتقل الصدمة من أسواق الطاقة إلى بقية القطاعات الاقتصادية في مختلف دول العالم.
سيناريوهات قاتمة للنمو والتضخم
وفق التقديرات، فإن استمرار الصراع أو انهيار الهدنة الحالية قد يؤدي إلى تراجع النمو العالمي بما يصل إلى نقطة مئوية كاملة، بينما قد يتراوح التراجع بين 0.3 و0.4 نقطة مئوية في حال التهدئة الجزئية.
في المقابل، يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطًا تضخمية متزايدة، إذ تشير التقديرات إلى ارتفاع معدلات التضخم بما بين 200 و300 نقطة أساس، مع احتمالات لزيادة أكبر إذا تجدد التصعيد واتسع نطاقه ليشمل أسواق الطاقة والغذاء بشكل أعمق.
الدول النامية في دائرة الخطر
يحذر البنك الدولي من أن التأثيرات ستكون أكثر حدة على الدول النامية، خصوصًا الدول الصغيرة والجزرية التي تعتمد بشكل كامل على استيراد الغذاء والطاقة، دون امتلاك موارد محلية كافية لامتصاص الصدمات.
وفي هذا الإطار، بدأت مؤسسات تنموية دولية بحث تفعيل أدوات تمويل طارئة ضمن برامج الاستجابة للأزمات، بهدف دعم هذه الدول في مواجهة موجات ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط المعيشية.
مضيق هرمز تحت المجهر
تتركز المخاوف أيضًا حول Strait of Hormuz، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة عالميًا، والذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة تجارة الطاقة العالمية، مع انعكاسات واسعة على الأسعار وسلاسل الإمداد، تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
مشهد غير مستقر واحتمالات مفتوحة
ورغم إعلان وقف إطلاق نار مؤقت، لا تزال المؤشرات الميدانية تشير إلى استمرار التوترات بين أطراف النزاع، ما يضع فرص التهدئة المستدامة موضع شك.
وتتزامن هذه التطورات مع تحركات دبلوماسية مكثفة لمحاولة احتواء التصعيد وفتح مسارات تفاوض جديدة، إلا أن استمرار الخلافات والشروط المتبادلة يعكس صعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة في المدى القريب.
اختبار صعب للاقتصاد العالمي
في ضوء هذه المعطيات، يرى البنك الدولي أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة شديدة الحساسية تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وتزايد الضغوط التضخمية، وتباطؤ النمو.
وبين سيناريو التهدئة المحدودة وسيناريو التصعيد، يبقى الاقتصاد العالمي أمام اختبار حقيقي لقدرة الأنظمة المالية والتجارية على امتصاص الصدمات، في وقت تتحمل فيه الدول النامية العبء الأكبر من تداعيات الأزمة، سواء عبر ارتفاع أسعار السلع الأساسية أو تراجع القدرة على تمويل الاحتياجات الحيوية.










