بينما تتواصل محادثات إسلام آباد، تكشف تقارير استخباراتية عن تحركات صينية يُعتقد أنها تهدف لإعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية خلال فترة التهدئة
واشنطن – المنشر الإخبارى
في الوقت الذي تُقدَّم فيه محادثات إسلام آباد باعتبارها فرصة تاريخية لخفض التصعيد بين واشنطن وطهران، تتصاعد في المقابل مؤشرات ميدانية واستخباراتية تشير إلى أن الهدنة نفسها قد تتحول إلى مرحلة لإعادة ترتيب موازين القوة في الخفاء، وليس فقط إلى منصة للسلام.
فقد نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصادر استخباراتية أمريكية أن الصين بدأت فعليًا في تنفيذ عمليات نقل “غير مباشرة” لأنظمة دفاع جوي محمولة إلى إيران، في إطار مسار معقد يعتمد على التمويه عبر دول وسيطة، بهدف تجنب أي صدام دبلوماسي مباشر مع الولايات المتحدة أو خرق واضح للعقوبات الدولية.
وبحسب هذه التقديرات، فإن نوعية المعدات التي يجري الحديث عنها تشمل أنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف من فئة “مانباد”، وهي أسلحة يُنظر إليها باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في معادلات الردع الميداني، خاصة في بيئات الصراع غير المتكافئ، حيث يمكنها تهديد الطائرات والمروحيات على ارتفاعات منخفضة.
ورغم أن بكين لم تؤكد هذه الاتهامات رسميًا، بل سارعت إلى نفيها عبر قنواتها الدبلوماسية، فإن مضمون التقرير أعاد فتح ملف العلاقة الثلاثية المعقدة بين الصين وإيران والولايات المتحدة، في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتداخل فيها مفاوضات وقف إطلاق النار مع حسابات النفوذ الإقليمي وإعادة بناء القدرات العسكرية.
طهران بين التهدئة وإعادة التموضع
في المقابل، ترى تقارير تحليلية خاصة بالمنشور الإخبارى أن إيران لا تتعامل مع الهدنة الحالية بوصفها نهاية للصراع، بل كمرحلة انتقالية لإعادة ترميم منظومتها الدفاعية التي تعرضت خلال الأشهر الماضية لضربات وصفت بأنها “الأشد منذ سنوات”، استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بأنظمة الدفاع الجوي والرادارات.
هذا التقييم، وفق المصادر نفسها، يدفع طهران إلى محاولة سد الفجوات التي ظهرت في شبكتها الدفاعية عبر تنويع مصادر التسليح، سواء بشكل مباشر أو من خلال قنوات غير معلنة، وهو ما يجعل أي تحرك خارجي في هذا الاتجاه محل مراقبة دقيقة من واشنطن وحلفائها.
ويشير محللون عسكريون إلى أن التركيز الإيراني في هذه المرحلة لا يقتصر على إعادة بناء القدرات، بل يمتد إلى رفع تكلفة أي مواجهة مستقبلية محتملة، عبر تعزيز طبقات الدفاع الجوي قصيرة المدى، بما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الضربات المفاجئة أو الحد من فعاليتها.
بكين وتوازنات “الدعم تحت السقف الدبلوماسي”
الاتهامات الأمريكية الأخيرة وضعت الصين مجددًا في موقع حساس، إذ تحاول بكين الحفاظ على توازن دقيق بين دورها الاقتصادي والسياسي المتنامي في الشرق الأوسط، وبين تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
وبحسب تسريبات استخباراتية نقلتها “سي إن إن”، فإن الصين تعتمد ما يمكن وصفه بسياسة “الدعم المقنن”، أي توفير أشكال من الدعم العسكري أو التقني عبر مسارات غير مباشرة، تسمح لها بالاحتفاظ بهامش إنكار سياسي، وتفادي العقوبات أو التصعيد الدبلوماسي.
وفي المقابل، تؤكد بكين أن موقفها الرسمي يقوم على دعم الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الحلول السياسية، ورفض أي تصعيد عسكري، مشددة على أن الاتهامات المتعلقة بتسليح أطراف في النزاعات الإقليمية “لا تستند إلى أدلة”.
لكن محللين يرون أن التباين بين الخطاب السياسي والقراءات الاستخباراتية يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث لم تعد المنافسة بين القوى الكبرى محصورة في الإطار الاقتصادي، بل امتدت إلى ساحات النزاعات الإقليمية، بما فيها الشرق الأوسط.
“نافذة استراتيجية” داخل الهدنة
في هذا السياق، تبرز فكرة “النافذة الاستراتيجية”، وهي مفهوم يستخدمه بعض الخبراء لوصف الفترات الزمنية التي تتراجع فيها حدة العمليات العسكرية، لكنها لا تعني توقف الصراع، بل انتقاله إلى مستويات أخرى من إعادة التموضع.
وتشير هذه المقاربة إلى أن إيران، في حال ثبوت حصولها على دعم دفاعي جديد، قد تستغل فترة الهدوء النسبي لإعادة تنظيم منظوماتها العسكرية، استعدادًا لأي سيناريو مستقبلي، سواء كان تفاوضيًا أو تصعيديًا.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن أي محاولة لتغيير ميزان القوى خلال فترة التهدئة تمثل تهديدًا مباشرًا لمسار المفاوضات الجارية في إسلام آباد، والتي يُفترض أن تركز على خفض التوتر، وضمان حرية الملاحة، ووضع إطار سياسي لوقف التصعيد.
محادثات إسلام آباد تحت ضغط التوترات الميدانية
تأتي هذه التطورات بينما تستمر الوفود الأمريكية والإيرانية في عقد جلسات غير مباشرة في العاصمة الباكستانية، وسط وساطة مكثفة من إسلام آباد، التي تحاول تقديم نفسها كمنصة توازن قادرة على جمع الأطراف المتنازعة.
غير أن ظهور تقارير عن تحركات عسكرية موازية خارج طاولة التفاوض يضع علامات استفهام حول مدى قدرة هذه المحادثات على إنتاج اتفاق مستدام، في ظل استمرار الشكوك المتبادلة بين الطرفين.
ويرى مراقبون أن أي تطور يتعلق بقدرات إيران الدفاعية خلال هذه المرحلة قد ينعكس مباشرة على مسار التفاوض، إما عبر زيادة الضغط الأمريكي، أو عبر تشدد إيراني في ملف الشروط السياسية والأمنية.
بين الردع والتفاوض… معادلة مفتوحة
في المحصلة، يبدو أن المشهد الحالي لا يتحرك في اتجاه واحد، بل يتقاطع فيه مساران متوازيان: الأول دبلوماسي يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار، والثاني عسكري غير معلن يعيد رسم موازين القوة تحت سطح التهدئة.
وبين هذين المسارين، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة الأطراف الدولية على منع تحول الهدنة إلى مجرد استراحة قصيرة في صراع طويل، أو ما إذا كانت هذه المرحلة ستشكل بالفعل بداية إعادة تشكيل جديدة لخريطة الردع في المنطقة.










