في مشهد دبلوماسي لافت، توجه وفد إيراني ضخم يضم نحو 71 مسؤولا إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد برئاسة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لخوض مفاوضات وصفت بالـ “مصيرية” مع الولايات المتحدة بقياد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس.
وبالرغم من أن قيادة الوفد الإيراني أسندت لأسماء ثقيلة مثل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، إلا أن تركيبة الوفد وتعدد مشاربه السياسية والأمنية تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول فلسفة التفاوض الإيرانية الحالية، وما إذا كانت هذه الضخامة العددية تعكس تفويضا مطلقا أم حالة من الارتباك في هرم السلطة.
ثنائية “الميدان والدبلوماسية”: أبرز الوجوه
يبرز في طليعة الوفد محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى، الذي يمثل “التيار الأصولي التكنوقراطي”، وجود قاليباف على رأس الوفد يحمل دلالتين، الأولى هي رغبة النظام في إضفاء شرعية برلمانية ومؤسساتية على أي اتفاق محتمل، والثانية هي الاستفادة من خلفيته العسكرية كجنرال سابق في الحرس الثوري لطمأنة القوى المتشددة في الداخل.
إلى جانب قاليباف، يأتي عباس عراقجي، وزير الخارجية والمهندس الفعلي لاتفاق 2015، عراقجي يمثل “الخبرة التفاوضية” والقدرة على صياغة التفاهمات التقنية المعقدة.
لكن المثير للاهتمام هو الحضور الأمني المكثف متمثلا في علي أكبر أحمديان، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وعلي باقري كني، وهما مقربان من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.
هذا الحضور يشير إلى أن المفاوضات لا تتعلق فقط بالملف النووي أو العقوبات، بل تمتد لتشمل “أمن الميدان” الإقليمي، خاصة في ظل التوترات مع إسرائيل.
التكنوقراط والملف المالي: دور “همتي”
يعد وجود عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي، إشارة واضحة إلى أن المحرك الأساسي لإيران في هذه الجولة هو “الاقتصاد”.
طهران تضع فك حصار الأصول المجمدة (7 مليارات دولار كبداية) ورفع القيود المصرفية على رأس أولوياتها. همتي ليس مجرد مستشار مالي هنا، بل هو “مقياس النجاح” بالنسبة للداخل الإيراني الذي يرزح تحت ضغوط معيشية خانقة.
دلالات “الوفد الضخم”: إجماع قسري أم غياب للقائد؟
إن إرسال 71 مسؤولا إيرانيا بمهام متباينة، يجمعون بين اليمين المتطرف، والجنرالات، والتكنوقراط، ومقربين من تيار “الاعتدال” الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية الأسبق محمد ظريف، يعكس عدة حقائق سياسية في مقدمتها توزيع المسؤولية (الهروب للأمام)، حيث يبدو أن النظام الإيراني يخشى من تحمل جهة واحدة تبعات “اتفاق تاريخي” مع “الشيطان الأكبر”.
لذا، فإن إشراك كافة الأجنحة في الوفد الإيراني يضمن أن أي فشل سيكون مسؤولية جماعية، وأي نجاح سيتم تقاسمه، مما يمنع أي جناح من استخدام “الاتفاق” كورقة سياسية ضد الآخر في الصراعات الداخلية.
كما يعزز هذا التعدد بالوفد الإيراني فرضية وجود فراغ في هرم السلطة، غياب “المايسترو” الذي يوجه الدفة جعل النظام يلجأ لأسلوب “القرار الجماعي”.
أيضا تركيبة الوفد الإيراني توحي بأن المؤسسات (البرلمان، الخارجية، الأمن القومي) هي من تقود المشهد حاليا وفق آلية توافقية هشة، بعيدا عن هيمنة فردية واضحة.
صلاحية “الإبرام والانسحاب”:
المعلومات التي تفيد بأن الوفد الإيراني يملك صلاحية التوقيع دون الرجوع لطهران هي “سلاح ذو حدين”، فهي من جهة تعطي الوفد مرونة تكتيكية أمام المفاوض الأمريكي، لكنها من جهة أخرى تضع الوفد تحت ضغط هائل، فالحجم الكبير لوفد طهران في مفاوضات إسلام آباد قد يجعل عملية الوصول لقرار سريع داخل الغرف الإيرانية المغلقة أمرا معقدا بسبب تضارب المصالح بين الجنرالات والدبلوماسيين.
الاستنتاج: رسالة إلى واشنطن
من خلال هذا الوفد الإيراني، تريد إيران إرسال رسالة إلى واشنطن مفادها: “نحن هنا بكامل ثقلنا الدولة”، الوفد يضم من يستطيع وقف إطلاق النار (الأمنيون)، ومن يستطيع صياغة القانون (البرلمانيون)، ومن يستطيع إدارة الأموال (الاقتصاديون).
لكن خلف هذه “التخمة” في التمثيل، يختبئ ارتباك واضح في تحديد الأولويات. فبينما يركز عراقجي وهمتي على “المكاسب”، قد يركز أحمديان وباقري كني على “الخطوط الحمراء” والمكاسب الميدانية في لبنان وسوريا.
نجاح مفاوضات إسلام آباد لن يعتمد فقط على ما سيقدمه الوفد الأمريكي بقيادة “فانس”، بل على قدرة هؤلاء الـ 71 مسؤولا على الحديث بلغة واحدة، وهو أمر يبدو، حتى اللحظة، تحديا يوازي تحدي التفاوض مع الخصم نفسه.










