تصعيد سياسي وأمني يعيد ملف الإقليم إلى الواجهة مع اتهامات متبادلة وهجمات متكررة وتباين في المواقف بين أربيل وطهران وبغداد
أربيل – المنشر الإخباري
عاد ملف العلاقة بين إقليم كردستان العراق وإيران إلى واجهة النقاش السياسي والأمني من جديد، في ظل تصاعد حدة الاتهامات المتبادلة بشأن الهجمات الصاروخية وضربات الطائرات المسيّرة، واستمرار الجدل حول طبيعة الدور الإيراني داخل الأراضي العراقية، وحدود تأثيره على الاستقرار في الإقليم.
ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه العراق والمنطقة عمومًا حالة من التوتر الأمني والسياسي، مع تداخل ساحات الصراع الإقليمي وتعدد الفاعلين العسكريين، ما يجعل إقليم كردستان واحدًا من أكثر المناطق حساسية في هذا المشهد المعقد.
تصعيد طويل الأمد يمتد لسنوات
بحسب تصريحات النائب السابق في برلمان كردستان العراق عبد السلام برواري، فإن الإقليم تعرض خلال السنوات الماضية لسلسلة من الهجمات الصاروخية وضربات الطائرات المسيّرة، تجاوزت 600 هجوم منذ عام 2017، وهو رقم يعكس – وفق قوله – حجم التصعيد المستمر الذي لم يتوقف رغم تغير الظروف السياسية في المنطقة.
ويشير برواري إلى أن هذه الهجمات أدت إلى سقوط قتلى مدنيين، بينهم 17 حالة وفاة موثقة بحسب تقديراته، في حين لم يتم تسجيل أي إصابات مباشرة في أهداف عسكرية واضحة داخل الإقليم، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الأهداف الفعلية لهذه العمليات.
ويضيف أن استمرار هذه الهجمات عبر سنوات طويلة يعكس نمطًا ثابتًا في التعاطي مع ملف كردستان، لا يرتبط فقط بتطورات لحظية، بل يبدو – وفق وصفه – جزءًا من استراتيجية أوسع.
بين العلاقات الاقتصادية والتوتر الأمني
ورغم التصعيد الأمني المتكرر، يؤكد برواري أن العلاقات الاقتصادية بين أربيل وطهران لم تنقطع، بل على العكس، ما تزال تشهد نشاطًا ملحوظًا، حيث يصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى مليارات الدولارات سنويًا.
وتشمل هذه العلاقات حركة تجارية واسعة، وتبادلًا للبضائع، إضافة إلى وجود قنصليات إيرانية في أربيل والسليمانية، ما يعكس استمرار قنوات الاتصال الرسمية بين الطرفين رغم التوترات الميدانية.
لكن هذه المفارقة – كما يصفها مراقبون – بين التعاون الاقتصادي والتصعيد العسكري، تضع العلاقة في إطار معقد يصعب تفسيره ضمن منطق واحد، إذ تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والسياسية.
مبررات طهران.. وقراءة كردية مختلفة
تبرر إيران في كثير من الأحيان عملياتها داخل أو قرب إقليم كردستان بوجود جماعات معارضة كردية إيرانية تقول إنها تنشط داخل الإقليم، وتشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
لكن المسؤول الكردي السابق يرفض هذه الرواية بشكل كامل، مؤكدًا أن هذه الفصائل موجودة منذ عقود نتيجة صراعات داخلية في إيران، وأن وجودها في الإقليم لا يعني دعمًا رسميًا من حكومة كردستان.
ويضيف أن اتفاقات أمنية سابقة بين بغداد وطهران نصت على إبعاد أي نشاط مسلح قرب الحدود، وهو ما تم العمل عليه في أكثر من مرحلة، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار بعض الضربات التي طالت – بحسب قوله – مواقع مدنية أو مناطق نزوح.
الضربات بين الرسائل السياسية والأمنية
يشير التحليل السياسي للملف إلى أن طبيعة الضربات التي تستهدف الإقليم لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي العام، خصوصًا في ظل التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وكذلك التوترات في ملفات إقليمية متعددة تشمل سوريا ولبنان واليمن.
ويرى مراقبون أن استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ في مناطق غير متماسكة أمنيًا مثل شمال العراق قد يحمل رسائل سياسية أكثر من كونه عمليات عسكرية تقليدية، خاصة أن هذه الهجمات غالبًا ما تأتي في توقيتات حساسة.
وفي المقابل، تعتبر السلطات في إقليم كردستان أن هذه الهجمات تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن المدنيين والبنية التحتية، وتؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاستثماري في المنطقة.
بغداد بين الضغط الداخلي والتوازنات الخارجية
في هذا السياق، تواجه الحكومة العراقية في بغداد تحديًا معقدًا يتمثل في ضبط العلاقة بين مختلف القوى المسلحة داخل البلاد، في ظل وجود فصائل متعددة لها ارتباطات إقليمية ودولية.
ويشير برواري إلى أن قدرة بغداد على فرض سيطرة كاملة على جميع الفصائل المسلحة لا تزال محدودة، ما يخلق فراغًا أمنيًا يسمح بتكرار بعض العمليات التي تطال الإقليم.
كما أن الانقسام السياسي داخل العراق، وتعدد مراكز القرار، يجعل التعامل مع هذا الملف أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل ارتباط بعض القوى السياسية بعلاقات وثيقة مع أطراف إقليمية.
الأبعاد الإقليمية للصراع
لا ينظر إلى ملف كردستان وإيران بمعزل عن التوترات الإقليمية الأوسع، إذ يرى محللون أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وتلعب الممرات الحدودية والمناطق الجبلية في شمال العراق دورًا مهمًا في هذا المشهد، كونها تمثل نقاط تماس بين عدة أطراف إقليمية.
وفي هذا السياق، تصبح كردستان جزءًا من معادلة أكبر تتجاوز حدودها الجغرافية والسياسية.
مستقبل العلاقة: استقرار هش أم تصعيد مؤجل؟
رغم التصعيد المتكرر، لا يستبعد مراقبون أن تستمر العلاقة بين أربيل وطهران ضمن إطار “الاستقرار الحذر”، حيث تبقى المصالح الاقتصادية قائمة، بينما تستمر التوترات الأمنية بشكل متقطع.
ويرى آخرون أن استمرار الوضع الحالي دون حلول جذرية قد يؤدي إلى موجات تصعيد مستقبلية، خصوصًا إذا لم يتم التوصل إلى ترتيبات أمنية واضحة تنظم العلاقة بين الأطراف المختلفة.
يبقى إقليم كردستان في قلب معادلة إقليمية معقدة، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع التوترات الأمنية، ويظل الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة وتعدد اللاعبين على الأرض.










