في جلسة تاريخية حبست أنفاس الشارع العراقي، أخفق مجلس النواب، اليوم السبت 11 أبريل 2026، في انتخاب رئيس للجمهورية من الجولة الأولى، لعدم حصول أي من المرشحين على أغلبية الثلثين المطلوبة دستوريا (220 صوتا).
وشهدت دل البرلمان العراقي التي حضرها 252 نائبا انحسارا واضحا للمنافسة بين أربعة مرشحين، انتهت بتقدم كاسح لمرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، نزار آميدي، الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى قصر السلام.
نتائج الجولة الأولى: تقدم آميدي واقصاء المنافسين
كشفت نتائج عملية الاقتراع السري عن تقدم كبير لمرشح الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي بحصوله على 208 أصوات، تلاه المرشح المستقل مثنى أمين بـ 17 صوتا، فيما حصل مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فؤاد حسين على 16 صوتا، والمرشح المستقل عبد الله العلياوي على صوتين فقط.
وعلى إثر هذه النتائج، قرر رئيس مجلس النواب هيبة الحلبوسي الذهاب إلى جولة ثانية لحسم المنصب، معلنا انحصار المنافسة بين نزار آميدي ومثنى أمين، بعد إقصاء فؤاد حسين والعلياوي من السباق قانونيا.
ويحتاج الفائز في الجولة القادمة إلى “الأغلبية البسيطة” (نصف + 1) من عدد الحضور لإعلانه رئيسا رسميا للجمهورية.
نزار آميدي: مرشح التوافق ورجل الدولة المتمرس
يأتي تقدم نزار آميدي في وقت يسعى فيه الإطار التنسيقي والقوى المتحالفة معه إلى إنهاء حالة الجمود السياسي وحسم الاستحقاقات الدستورية.
وينظر إلى آميدي (المولود في العمادية عام 1968) بوصفه “رجل المهمات الصعبة” وخيار التوافق الوطني، نظرا لمسيرته التي تمتد لأكثر من أربعة عقود في العمل العام والسياسي.
خبرة رئاسية وتنفيذية استثنائية
لا يعد آميدي غريبا عن أروقة قصر السلام؛ فقد شغل منصب مستشار أول لثلاثة من رؤساء الجمهورية (جلال طالباني، فؤاد معصوم، وبرهم صالح) بين عامي 2005 و2022، وهو ما أكسبه فهما عميقا للبروتوكولات الدستورية وإدارة الأزمات الوطنية.
كما تولى منصب وزير البيئة (2022-2024)، حيث قاد بنجاح وفود العراق في المحافل الدولية الكبرى، مثل قمة “كوب 28” في الإمارات، ومؤتمرات الأمم المتحدة في باريس ونيويورك.
مهندس التوازنات بين بغداد وأربيل
يمتلك آميدي، الحاصل على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعة الموصل، مهارة فريدة في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق.
فمن خلال عمله في بغداد والسليمانية، نجح في بناء علاقات عمل راسخة مع مختلف القوى السياسية، مما جعله “حلقة وصل” موثوقة قادرة على تقليل حدة الخلافات وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي.

الاتحاد الوطني.. إرث “مام جلال” في صناعة الرؤساء
منذ انتخاب الراحل جلال طالباني كأول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ العراق المعاصر، دأب الاتحاد الوطني الكردستاني على تقديم شخصيات تمنح المنصب “الثقل والهيبة”.
ويأتي ترشيح آميدي، بوصفه المرشح الوحيد والمدعوم بقوة من الحزب، استمرارا لهذا النهج في تقديم رموز قادرة على تمثيل العراق بكل مكوناته أمام المجتمع الدولي.
ويتمتع آميدي بصفات قيادية تشمل:
بناء التوافقات: قدرة مشهودة على إدارة الائتلافات السياسية وحل النزاعات.
الدبلوماسية الدولية: خبرة واسعة في تمثيل العراق بالقمم العربية والمحافل الأممية.
الحوكمة الدستورية: إشراف دقيق على المراسلات الرئاسية وضمان الاستقرار المؤسسي.
ماذا بعد الجولة الأولى؟
تذهب القوى السياسية الآن إلى مفاوضات “الساعات الأخيرة” قبل انعقاد الجولة الثانية، وتشير المعطيات الميدانية والعددية إلى أن نزار آميدي هو الأقرب لنيل ثقة البرلمان، لاسيما بعد حصوله على 208 أصوات في الجولة الأولى، وهو رقم يعكس تأييدا واسعا يتجاوز الكتلة الكوردية ليصل إلى فضاءات “الإطار التنسيقي” والقوى السنية والمدنية.
إن فوز آميدي المتوقع لن يكون مجرد استكمال لاستحقاق انتخابي، بل هو إيذان بمرحلة جديدة من التوزان السياسي، يسعى فيها العراق إلى تثبيت دعائم الدولة وإنهاء حقبة الانسدادات، مستفيدا من شخصية آميدي التي تجمع بين الكفاءة التقنية، الحنكة الدبلوماسية، والقبول الوطني الشامل. وتتجه الأنظار الآن نحو قبة البرلمان مجددا، حيث سيتم إعلان “حامي الدستور” الجديد الذي سيقود البلاد في المرحلة المقبلة.










