في خطوة تاريخية وصفت بأنها “محطة مفصلية” لإنهاء الانقسام المالي الذي شل مفاصل الدولة، أعلن مصرف ليبيا المركزي، اليوم السبت، عن موافقة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على أول ميزانية موحدة للبلاد منذ أكثر من 13 عاما.
ويمثل هذا التوافق، الذي جرى بين المؤسسات التشريعية المتنافسة في الشرق والغرب، قفزة نوعية نحو استعادة الاستقرار المالي في الدولة العضو في منظمة “أوبك”.
إنجاز “المسار التاريخي” لتوحيد الإنفاق
وأوضح المصرف المركزي، في بيان رسمي، أن الطرفين وقعا على “الملحق رقم (1) للاتفاق التنموي الموحد”، والذي يتضمن اعتماد الجداول العامة للإنفاق للدولة الليبية بكامل ترابها.
ويهدف هذا الإجراء إلى توحيد السياسة المالية وتعزيز الانضباط في إدارة المال العام، استنادا إلى القدرة المالية الفعلية للدولة، بما يضمن استدامة الموارد والتنمية المتوازنة في مختلف المناطق.
وخلال مراسم التوقيع، أكد محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، أن هذا الاتفاق “ليس مجرد وثيقة مالية، بل هو فصل جديد من فصول التعاون الصادق وتجسيد للإرادة الوطنية الجامعة”.
وأضاف عيسى أن ليبيا أعلنت اليوم بوضوح قدرتها على تجاوز خلافاتها وقطع طريق التشتت والازدواجية المالية التي استمرت لأكثر من عقد من الزمان.
رعاية دولية لوقف “الصرف غير المنضبط”
يأتي هذا الاتفاق ثمرة لجهود “الاتفاق التنموي الموحد” الذي وقعه مجلسا النواب والدولة في نوفمبر الماضي تحت رعاية الولايات المتحدة، بهدف وضع حد لسياسات الصرف المالي العشوائي على مشاريع البناء والتنمية وضمان توجيه الموارد بشكل مؤسسي ومنضبط.
وفي سياق متصل، شدد خبراء صندوق النقد الدولي على أن ضبط أوضاع المالية العامة هو الحل الأساسي لاستعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي في ليبيا.
وأشار الصندوق، في بيانه الختامي لمشاورات “المادة الرابعة”، إلى وجود مجال واسع لتعزيز المركز المالي للدولة من خلال تنفيذ إصلاحات ضريبية شاملة، تشمل إلغاء الإعفاءات الضريبية تدريجيا وزيادة الرسوم الجمركية والضرائب الانتقائية لتتواءم مع المعايير الإقليمية.
تحديات الأجور ودعم الطاقة
ورحب خبراء الصندوق بالقرار الأخير القاضي بإلغاء ضريبة الصرف الأجنبي، لكنهم حذروا من ضرورة موازنة هذا الإجراء فورا عبر رسوم جمركية على الواردات لمنع تجدد الضغوط على سوق الصرف.
كما سلط الصندوق الضوء على “التحديات الهيكلية” في الميزانية، مشيرا إلى أن دعم الطاقة يلتهم نحو 20% من إجمالي الناتج المحلي، بينما تقترب فاتورة الأجور من 30%، وهي واحدة من أعلى النسب عالميا.
ودعا الصندوق السلطات الليبية إلى تسريع إصلاح دعم الطاقة، شريطة أن يصحب ذلك نظام دعم اجتماعي موجه للفئات الأكثر احتياجا، مع ضرورة ترشيد التوظيف في القطاع الحكومي. كما أشاد بمنصة “راتبك لحظي” كأداة هامة لتعزيز الشفافية والحد من الفساد.
الاستثمار في النفط: شريان الحياة
وختاما، أكد التقرير الدولي على ضرورة ضمان الاستثمارات المنتجة في قطاع النفط للمحافظة على مستويات الإنتاج الحالية، مشددا على أن أي خطط استثمارية متعددة السنوات يجب أن تتسم بالشفافية وتخضع لنظام رقابة ومشتريات محكم، لضمان استغلال الحيز المالي المتاح بما يخدم المصالح القومية العليا لليبيا.










