قراءات استخباراتية تشير إلى انتقال مركز الثقل في الملف الإيراني نحو الصين وسط سباق نفوذ أمريكي صيني متصاعد
إسلام آباد- المنشر الإخبارى
من وساطة باكستانية إلى “قرار آسيوي أكبر”
في تطور لافت يعكس تغيرًا في قراءة المشهد الإقليمي، رأت تقديرات إسرائيلية أن مستقبل الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مرتبطًا بالمفاوضات التي تستضيفها إسلام آباد، بل بات يتجه – وفق هذه الرؤية – نحو بكين، التي توصف بأنها اللاعب الأكثر تأثيرًا في ضبط إيقاع العلاقة بين الطرفين.
وتأتي هذه التقديرات في ظل حديث متزايد عن فشل الجولة الدبلوماسية الأخيرة في باكستان، مقابل ترقب دولي واسع للقمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في مايو المقبل، والتي يُعتقد أنها قد تتجاوز الملفات الثنائية لتشمل ترتيبات إقليمية حساسة.
إسلام آباد “منصة ثانوية” في مشهد أكبر
وفق التحليلات الإسرائيلية، فإن المفاوضات التي جرت في باكستان لم تكن سوى حلقة إجرائية تهدف إلى إدارة التفاصيل الفنية، وليس حسم القضايا الجوهرية المتعلقة بالملف الإيراني.
وترى هذه القراءات أن الدور الباكستاني، رغم أهميته في تسهيل الحوار، يظل محدودًا أمام النفوذ الاقتصادي والسياسي الصيني المتنامي في المنطقة، خاصة في ظل ارتباطات بكين التجارية الوثيقة مع طهران.
وبحسب هذه الرؤية، فإن فشل الجولة لا يعني انهيار المسار الدبلوماسي، بل مجرد انتقاله إلى مستوى أعلى من التفاوض، حيث تُدار القرارات الكبرى بعيدًا عن الطاولات الإقليمية التقليدية.
الصين كـ”مفتاح غير مباشر” للأزمة الإيرانية
التقديرات الإسرائيلية تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تعتبر أن الصين لم تعد مجرد شريك اقتصادي لإيران، بل تحولت إلى لاعب قادر على التأثير في قراراتها الاستراتيجية.
وتشير هذه التحليلات إلى أن اعتماد إيران الكبير على السوق الصينية في تصدير النفط، والذي يُقدّر بنسبة تصل إلى 90% وفق بعض التقارير، يمنح بكين قدرة ضغط اقتصادية كبيرة، يمكن توظيفها لتوجيه سلوك طهران في لحظات التوتر.
وبناءً على ذلك، ترى هذه القراءات أن أي تهدئة أو تصعيد في المنطقة لا يمكن فصله عن الموقف الصيني، الذي بات – وفق هذا التصور – عنصرًا حاسمًا في ضبط إيقاع الأزمة.
القمة الأمريكية الصينية… لحظة الحسم المحتملة
في قلب هذه التقديرات، تبرز القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين خلال مايو المقبل، باعتبارها محطة مفصلية في مستقبل الملف الإيراني.
وتشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن هذه القمة قد تتجاوز الملفات التجارية التقليدية، لتشمل ترتيبات أوسع تتعلق بأمن الطاقة، واستقرار الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران.
وفي هذا السياق، يتم تصوير الصين كوسيط غير معلن، قادر على التأثير في مسار التهدئة، سواء عبر الضغط على إيران أو عبر التفاهم مع واشنطن على صيغة توازن جديدة في المنطقة.
إيران بين الضغط الاقتصادي والتموضع السياسي
من زاوية أخرى، تُقرأ التحركات الإيرانية على أنها جزء من محاولة مستمرة للموازنة بين الضغوط الغربية والارتباطات الشرقية، حيث تعتمد طهران بشكل متزايد على شراكاتها مع الصين في مواجهة العقوبات الغربية.
لكن هذا الاعتماد، وفق التقديرات الإسرائيلية، لا يعني حرية مطلقة في القرار، بل يضع إيران في موقع حساس، حيث يمكن للنفوذ الاقتصادي الصيني أن يتحول إلى أداة تأثير سياسية غير مباشرة.
وبالتالي، فإن أي تسوية مستقبلية قد تكون مشروطة بتفاهمات أوسع تشمل مصالح الصين الاستراتيجية، وليس فقط المطالب الأمريكية أو الإيرانية.
بكين كوسيط عالمي صاعد
تذهب بعض التحليلات إلى أن الصين تستثمر في هذا الدور المتنامي لتقديم نفسها كقوة وسيطة عالمية قادرة على إدارة النزاعات التي فشل الغرب في حلها.
ومن هذا المنظور، فإن الملف الإيراني يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة بكين على:
• إدارة التوازن بين خصوم دوليين كبار
• حماية مصالحها الاقتصادية
• وتعزيز صورتها كقوة مسؤولة في النظام الدولي
لكن هذا الدور لا يخلو من مخاطر، إذ قد يضع الصين في قلب صراعات معقدة تتجاوز قدراتها التقليدية على إدارة الأزمات.
واشنطن بين الشراكة والمنافسة
في المقابل، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة مزدوجة: فهي تحتاج إلى الصين في إدارة بعض ملفات الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه تعتبرها منافسًا استراتيجيًا يتوسع في مناطق النفوذ التقليدية الأمريكية.
هذا التناقض يجعل أي تفاهم محتمل حول إيران جزءًا من صفقة أوسع، قد تشمل ملفات تجارية وتكنولوجية وجيوسياسية، وليس فقط ترتيبات أمنية في الشرق الأوسط.
إسرائيل وهاجس “تدويل القرار الإيراني”
من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن انتقال مركز الثقل نحو بكين يعني أن القرار المتعلق بإيران لم يعد محصورًا في المعادلة الثنائية مع واشنطن، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع تضم قوى دولية متعددة.
هذا التطور يثير قلقًا داخل تل أبيب، التي ترى أن تعدد مراكز القرار قد يقلل من القدرة على فرض ضغط مباشر وموحد على إيران، ويزيد من تعقيد أي مسار تفاوضي مستقبلي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وفق هذه التقديرات، يمكن تصور عدة مسارات محتملة:
- تسوية مدفوعة بتفاهم أمريكي–صيني
حيث يتم التوصل إلى صيغة تهدئة تشمل إيران ضمن ترتيبات أوسع بين القوتين الكبريين. - إدارة أزمة طويلة الأمد تستمر فيها حالة التوتر دون انفجار شامل، مع تدخلات دورية من الصين لضبط الإيقاع.
- تصعيد غير مباشر
في حال فشل التفاهمات الكبرى، ما قد يعيد المنطقة إلى دائرة التوتر.
- تصعيد غير مباشر
من إسلام آباد إلى بكين… إعادة رسم الخريطة
في المحصلة، تعكس هذه التقديرات الإسرائيلية رؤية متزايدة التعقيد للمشهد الدولي، حيث لم تعد الأزمات الإقليمية تُدار داخل حدودها التقليدية، بل أصبحت جزءًا من لعبة نفوذ عالمية تتصدرها الصين والولايات المتحدة.
وبينما تتراجع أهمية الوساطات الإقليمية تدريجيًا، يبدو أن مراكز القرار الفعلية تتجه نحو عواصم كبرى، حيث تُحسم الملفات الكبرى بعيدًا عن الأضواء، وفي مقدمتها مستقبل الهدنة مع إيران، التي قد لا تُكتب تفاصيلها في إسلام آباد… بل في بكين.










