تحليل توغل الصهيونية في الإعلام البريطاني: دراسة حالة حذف فيلم “غزة” من بي بي سي
ملخص تنفيذي
تشهد الساحة الإعلامية البريطانية تحولات جذرية في سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث تكشف حادثة حذف الفيلم الوثائقي “غزة: كيف تنجو في منطقة حرب” من منصة “بي بي سي” عن نمطٍ ممنهجٍ من التوغل الصهيوني في صناعة القرار التحريري. هذا التوغل لا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمتد ليشمل شبكة معقدة من جماعات الضغط والتمويل المباشر وغير المباشر، والتي تعمل على تشكيل الرواية الإعلامية بما يتماشى مع المصالح الإسرائيلية.
من خلال تحليل الحملة التي قادها الصحفي ديفيد كوليير على منصة “إكس”، والضغوط التي مارستها منظمات مؤيدة لإسرائيل، تتجلى آليات عمل اللوبي الصهيوني في بريطانيا، والتي تعتمد على استراتيجيات متنوعة تتراوح بين الترهيب المالي والتأثير السياسي وتشويه السمعة.
الجذور التاريخية للتوغل الصهيوني في الإعلام البريطاني
النشأة المبكرة: من وعد بلفور إلى تشكيل اللوبي
يعود الاهتمام الصهيوني ببريطانيا إلى عقود قبل إصدار “وعد بلفور” عام 1917، إذ رأى تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، في بريطانيا القوة العظمى القادرة على تحقيق الحلم اليهودي في فلسطين. بدأت أولى محاولات التغلغل عبر تأسيس “لجنة الشؤون العامة البريطانية الإسرائيلية” (BICOM) في سبعينيات القرن الماضي، والتي عملت على توطيد العلاقات مع النخب السياسية والإعلامية.
التمويل والسيطرة على المؤسسات الإعلامية
بحلول القرن الحادي والعشرين، أصبحت جماعات الضغط الصهيونية تسيطر على نسبة كبيرة من الصحف البريطانية عبر إمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية، التي تشمل “نيوز إنترناشيونال” و”التلغراف” و”الإكسبريس”. هذه السيطرة مكّنت من فرض رواية مُحابية لإسرائيل، حيث أظهرت تقارير لاحقة أن 76% من الأخبار المصورة عن غزة صورت الصراع على أنه “حرب بين إسرائيل وحماس”، مع استخدام لغة عاطفية لوصف الضحايا الإسرائيليين مقابل لغة مجردة للفلسطينيين.
آليات تأثير اللوبي الصهيوني: بين الضغط المالي وتشويه السمعة
التمويل السياسي وحملات التشهير
كشف تحقيق لموقع “Declassified” عام 2024 أن 180 نائباً برلمانياً تلقوا تمويلاً من جماعات صهيونية، بلغت قيمته الإجمالية مليون جنيه إسترليني، مع تنظيم أكثر من 240 رحلة ممولة إلى إسرائيل. هذا التمويل ترجم إلى دعم برلماني غير مشروط للسياسات الإسرائيلية، حتى في ظل انتهاكاتها الواضحة للقانون الدولي.
في الجانب الإعلامي، تعرض الصحفيون الذين ينتقدون إسرائيل لحملات تشهير ممنهجة. على سبيل المثال، وُجهت اتهامات بـ”معاداة السامية” إلى مذيعة “توك تي في” جوليا هارتلي-بروير بعد استضافتها مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية.
السيطرة على الخطاب عبر منصات التواصل الاجتماعي
برز دور منصة “إكس” (تويتر سابقاً) كأداة فعالة للوبي الصهيوني، حيث استخدمت الحملات المُنسقة لتشويه المحتوى المناصر لفلسطين. في حالة الفيلم الوثائقي لبي بي سي، قاد ديفيد كوليير – وهو صحفي استقصائي بريطاني مقرب من التيار الصهيوني – حملة اتهم فيها البي بي سي بـ”الانحياز لحماس” بعد الكشف عن أن أحد الأطفال المشاركين في الفيلم هو ابن مسؤول في الحكومة الفلسطينية.